بقلم / ✒️ صَالِح الرِّيمِي
أنا من محبّي الشاي، ولا أحب الشاي لمجرد شراب، بل أحب الشاي كحالة هدوء وروقان تسبق الرشفة، وأحب الدفء الذي يأتي من داخل الكوب، أحب الشاي لأنه يمنح نفسي استراحة، ويصنع من اللحظةٍ العادية لحظة جميلة، فالشاي عندي ليس عادة، إنه رفيق يأتي حين يرحل الجميع، ويبقى دون أن يطلب شيئًا ..
من هذه المقدمة أنقل لكم قصة عشق لرجل عجوز جعل من إبريق الشاي قصة وفاء، قصة تحكى، عندما يجلس الرجل قرب نافذةٍ لا تُفتح كثيرًا، إلا عند شرب الشاي، ولم يكن الرجل العجوز يملك ما يلفت النظر، لا صورًا كثيرة، ولا أثاثًا فاخرًا، ولا ضجيج ولا زيارات، لكن كان لديه طقسٌ ثابت كل مساء، يُشعل النار، ويضع الماء، وينتظر، لم يكن يشرب الشاي عطشًا، بل كان يشربه شوقًا ..
قبل سنواتٍ طويلة، كانت زوجته تجلس أمامه، وتقول له دائمًا: “لا تدع الشاي يغلي كثيرًا، الأشياء الجميلة تفسد حين نُفرط في استعجالها”، وبعد فترة من الزمن رحلت الزوجة وبقيت العبارة، وبقي الشاي.
ولكن الزوج مازال يُعد كوبين من الشاي، كما اعتاد، واحدٌ له وآخر يتركه أمام الكرسي الفارغ، بالرغم أنه يؤمن أن الغائبين لا يعودون، لكنه كان يؤمن أن الوفاء يجب أن يبقى لمن غاب ..
وذات مساء، دخل حفيده الصغير، نظر إلى الكوب الثاني وسأل: “لمن هذا الكوب يا جدي؟” ابتسم العجوز، وقال بهدوء: “لشخصٍ علمني رحل لكن الوفاء يبقى”، جلس الطفل بجانبه، ومنذ ذلك اليوم أصبح هناك كوبان لا يبردان.
أصحاب الشاي.. عظماء، لأنهم يعرفون كيف يصنعون من البساطة طقسًا، ولا يحتاجون إلى مناسبة، ولا إلى ضجيج، يكفيهم كوبٌ دافئ، وهدوءٌ يشبه السلام، هم الذين يفهمون أن الطمأنينة لا تُشترى، بل تُغلى على مهل، وأن أعظم اللحظات قد تأتي في هيئة بخارٍ يتصاعد، وقلبٍ يهدأ ..
أصحاب الشاي لا يبحثون عن الرفاهية، بل يصنعونها من ماء، وورق، وصبر، لذا هم عظماء، لأنهم يتقنون فن الاكتفاء ولا يستعجلون الحياة، لأنه يعرفون أن الأشياء الجميلة تحتاج وقتًا، وأن النضج – كالشاي – لا يأتي بالغليان السريع، بل بالانتظار الهادئ.
*ترويقة:*
نعم أصحاب الشاي عظماء لأنهم يقدرون التفاصيل الصغيرة، ويصنعون من لحظة عابرة مساحة للسلام، ولا يطلبون الكثير، لكنهم يشعرون بالكثير، ويجلسون مع كوبهم كأنهم يجلسون مع أنفسهم، يُصالحون التعب، ويرممون ما كسرته الأيام.
*ومضة:*
يقولون: أخبرني ماذا تحب، أخبرك من أنت!
ومن يحب الشاي، غالبًا يحب السلام، لذا هم عظماء.. لأنهم لم يفقدوا قدرتهم على الاكتفاء، في زمنٍ لا يشبع فيه أحد.
*كُن مُتََفائِلاً وَابعَث البِشر فِيمَن حَولَك*




