✍️ الدكتور / أحمد ال زيلع
في نوفمبر 1938 كانت شبكة CBS الأمريكية تبثّ حفلا فنيًا من أحد فنادق نيويورك الفخمة، وفجأة انقطع البثّ وأذيع خبرٌ عاجل، بدا مذيع الخبر متوترًا ومرتبكًا وهو يتلو خبر مركبة فضائية غريبة الشكل هبطت على أطراف المدينة، ثم عاد البث إلى الحفل، وبين كل 15 دقيقة كان يُقطع لتقديم مزيد من التفاصيل حول الواقعة المخيفة التي أكد شهود عيان وخبراء أنها مقدمة لغزو فضائي قادم من المريخ!
أصيب الناس بحالة ذعر، فشرعوا يتلون الصلوات وهم يبكون، وسارع بعضهم إلى الهروب من المدينة، والتأم شمل العديد من العائلات بحثًا عن سبيل للنجاة، أو فرصة أخيرة للوداع. وفي صباح اليوم التالي تبيّن أن هذا العمل كان مجرد إعلان لمسرحية مستوحاة من رواية “حرب العوالم”.
هذه الحادثة الجديدة على وسائل الإعلام في ذلك الوقت، وردودُ أفعال المتلقين لها، استدعت اهتمام دارسي الإعلام، بغية تفسير مدى التأثير الذي يمكن أن تتركه وسائل الإعلام الجديد في أذهان المتلقين وتقدير حجم الخداع الذي يمكن أن تحدثه هذه الوسائل، ووصلت تلك الدراسات إلى أن 1 من كل 6 أشخاص تنطلي عليه الخدع الإعلامية!
اليوم وبعد ثمان وثمانين سنة من تلك الخدعة، تطوّرت وسائل الإعلام تطورًا مذهلا، وتطورت معها وسائل الخداع بشكل أكثر إذهالًا، إذ تستطيع وسائل الإعلام الجديد -اليوم- أن تصوّر لنا حياة الرفاهية التي يعيشها الآخرون، حتى يظنّ المنخدع أنه أفقر خلق الله، كما تستطيع أن تلمّع حياة البسطاء، حتى يظن المنخدع أنه التعيس الوحيد في هذا العالم، كما تستطيع أن تهوّل الأحداثَ السياسية حتى يظن المنخدع أنه يقف على أطراف الجحيم!
إن هذا التطور المذهل لوسائل الإعلام يتطلب منا جهدًا أكبر في تنمية وعينا، وتوعية من حولنا، حتى لا تنطلي علينا الخدع، وحتى لا نكون أداة سهلة تتحكم بها هذه الوسائل، وتقلّبها كيف تشاء.. فلنكن أفطن، ولنكن أذكى، ولنكن كما نريد، لا كما تريد!




