المقالات

أطفالنا والاختبارات المركزية من يقيس التعلم… ومن يصنع القلق؟

✍🏻بقلم: أ. إبتسام. آل عقيل

لم تعد معاناة الاختبارات المركزية حبيسة أسوار المدارس، بل انتقلت إلى بيوتنا، واستقرت في تفاصيل حياتنا اليومية. كأم، أستطيع أن أقول بصدق: نحن اليوم لا نعيش ضغط هذه الاختبارات في المدرسة فقط، بل نعيشه في المنزل، وفي علاقتنا بأطفالنا، وفي استقرار أسرنا.

تحولت البيوت إلى فصول دراسية، وتحولت الأم من أم تحتوي طفلها وتمنحه الطمأنينة إلى معلمة تلاحقه بالمراجعة والواجبات والخوف من الاختبار. ومع مرور الوقت، بدأت تتكوّن فجوة مؤلمة بين الأم وطفلها:

الأم تضغط خوفًا على مستقبله، والطفل ينفر من هذا الضغط، ويبدأ في كره الدراسة… وربما كره المدرسة نفسها.

المشكلة الأعمق أن أطفال الصفوف الأولية لا يستوعبون معنى “الاختبارات المركزية”، ولا يدركون أهدافها ولا فلسفتها التربوية. هم لا يفهمون إلا شيئًا واحدًا:

هناك اختبار صعب… وقد أفشل.

بل إن كثيرًا منهم لا يستوعب حتى معنى النجاح والرسوب كما نفهمه نحن الكبار، ومع ذلك نضع على أكتافهم حملًا نفسيًا أثقل من أعمارهم. نحن نرسل أبناءنا إلى المدارس لنفرحهم، ولنحببهم في العلم، ولنزرع فيهم الثقة والشغف بالتعلم، لكننا اليوم نراهم يعودون بخوف وقلق ودموع أحيانًا، وكأن جزءًا من المنظومة التعليمية تحوّل من بناء الإنسان إلى صدمة نفسية مبكرة.

من الناحية التربوية، الطفل في هذه المرحلة العمرية لا يزال في طور بناء ثقته بنفسه، وتكوين علاقته بالمدرسة، وتشكيل اتجاهه نحو التعلم. وهو بطبيعته النفسية والعقلية لا يحتمل هذا النوع من الضغط، وقد تترك تجربة فشل واحدة أثرًا طويل المدى في شخصيته ونظرته إلى التعليم.

ولنكن واضحين: نحن لا نرفض التطوير، ولا نعارض قياس مستوى المخرجات التعليمية، بل نؤمن بأهمية التقويم وجودته لكننا نطالب بشيء بسيط ومنطقي.

التدرّج التربوي السليم يقتضي أن تكون:

الصفوف الأولية مرحلة بناء وتشجيع وتعزيز ثقة، بتقويم مرن داعم لا مُرهِب.

وتبدأ التهيئة للاختبارات المركزية من الصف السادس لإعداد الطالب نفسيًا للمرحلة المتوسطة.

ثم يتدرج الأمر في المرحلة المتوسطة.

ثم تُطبق الاختبارات المركزية بشكل كامل في المرحلة الثانوية، حيث يكون الطالب أكثر نضجًا واستعدادًا نفسيًا ومعرفيًا.

وإذا كان الهدف الحقيقي هو تحسين جودة التعليم وقياس المخرجات بعدل، فمن الإنصاف أن.

يُدرج نمط هذه الأسئلة في الكتب الدراسية،

أو تُزوَّد المدارس والمعلمون ببنوك أسئلة واضحة،

أو يُدرَّب الطلاب عليها تدريجيًا داخل الصف.

أما أن يُفاجأ طفل في الصف الثالث بنمط تقويم لم يُهيّأ له، فهذا لا يقيس مستوى تعلمه بقدر ما يقيس قدرته على تحمّل القلق والضغط.

في النهاية، يبقى السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا بصدق:

هل نريد أبناءنا أن يحبوا المدرسة؟ أم أن يخافوا منها؟

ما نريده هو تعليم يبني الإنسان قبل أن يقيسه، ويزرع الطمأنينة قبل أن يحصي الدرجات، ويحبب أبناءنا في المدرسة والحياة، لا أن يجعل بداياتهم الدراسية مليئة بالخوف والقلق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى