المقالات

*الصداقة طمأنينة… في هيئة إنسان.*

✍️ الكاتب/ أ. صالح الرِّيمي

 

في هذا العالم المزدحم بالوجوه، تمرّ بنا أسماءٌ كثيرة، ونتبادل مع الكثيرين التحايا والسلام والحديثووالابتسامات، لكن قلةً منهم فقط تترك أثرًا يشبه الطمأنينة في نفوسنا، أولئك الذين لا تشعر معهم أنك تحتاج إلى شرح بمافي نفسك، ولا تخاف أن تظهر أمامهم كما أنت، بلا تكلّف، بلا أقنعة، بلا خوف من أن يُساء فهمك ..
وإن المجتمع الذي تسوده الصداقة الصادقة، هو مجتمعٌ أكثر طمأنينة، وأكثر تماسكًا، وأكثر إنسانية، لأن العلاقات الصادقة تبني أفرادًا أصحاء نفسيًا، وأفرادًا أصحاء يبنون أوطانًا أقوى.

لذا يجب أن نختار أصدقاءنا بوعي، فالصديق يؤثر في أفكارنا، وفي نظرتنا للحياة، وفي قراراتنا، قد يرفعنا، وقد يُضعفنا، لذلك قيل: إن الإنسان يشبه أقرب الناس إليه روحًا ..
من هذه المقدمة أذكر لكم قصة مواساة صديق، حيث كان “خالد” في أكثر أيامه ازدحامًا يشعر بفراغٍ كبير لا يراه أحد، صحيح أنه يضحك مع الجميع، يتحدث، يعمل، ينجز، لكن في داخله صمت طويل، لا يعرف كيف يشرحه لأحد، وفي ذلك المساء، جلس وحيدًا على الرصيف، لا ينتظر أحدًا، ولا يريد شيئًا، فقط كان يحتاج أن يهدأ.

رنّ هاتفه، كانت رسالة قصيرة من صديقه “يوسف” تقول الرسالة: “أشعر أخي خالد أنك لست بخير… فهل أنت بخير؟”، توقّف خالد عند الكلمات، لم يخبر أحدًا بشيء. لم يشتكِ لأحد، لم يتغير ظاهريًا أمام الجميع لكنه كتب لصديقه : “نعم، أنا بخير.”، وجاءه الرد سريعًا من صديقه يوسف: “سأكون عندك بعد عشر دقائق.” ..
لم يسأل يوسف صديقه خالد: هل تسمح؟ لم يقل: إن أردت، فقط قرر أن يكون عند صديقه خالد، وصل يوسف، جلس بجانبه، ولم يسأله شيئًا، لم يحاول أن يحل مشكلاته، لم يخبره مابكَ؟ ولم يقدم نصائح، ولم يملأ الصمت بالكلام، فقط بقي معه، بعد دقائق، قال خالد بصوتٍ خافت: لماذا جئت؟

أجابه يوسف: لأنك لم تقل إنك بخير… أنت فقط كتبتها، ابتسم خالد لأول مرة منذ أيام، وشعر أن شيئًا ثقيلًا في داخله أصبح أخفّ، لا لأن المشكلة انتهت، بل لأن أحدًا شاركه حملها دون أن يطلب، في تلك اللحظة، فهم خالد أن الصداقة ليست من يسألك كل يوم: ماذا بكَ؟
بل من يعرف دون أن يسألك ..
فنحن في نهاية المطاف، لا نتذكر عدد من مرّوا في حياتنا، بل نتذكر من جعلوا الحياة أخفّ، ومن جعلوا الطريق أرحم، ومن جعلونا نشعر أننا لم نكن وحدنا نواجه صعوبات الحياة.

*ترويقة:*
في أدب الصداقة؛ من رسائل مروان باشي لصديقه عبدالرحمن منيف ..
“‏جاء في نهايةِ رسالتك أنك لا تريد أن تثقل عليّ بهمومك والحديث عنها، وقد حزنتُ لذلك، ولا بُدّ لي أن أُعاتبك على ذلك، فإنّ ظهري ما يزال يملك بعض القوة، وفي قلبي مكانٌ كبير لك ويتسع لهمومك وجروحك إلى جانب فرحك، فلنتبادل الفرح ولنتبادل الهموم، وإلا فلماذا القرب؟ ولمن يكون الفيء؟!”.

*ومضة:*
الصداقة، في جوهرها، ليست علاقة بين شخصين، إنها طمأنينة… في هيئة إنسان.

 

*كُن مُتََفائِلاً وَابعَث البِشر فِيمَن حَولَك*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى