المقالات

هل نُعدّ أبناءنا للحياة أم للإختبار

✍🏻الكاتب: أ.مصهف علي عسيري

لسنا مخطئين حين نقول إننا نحب أبناءنا، لكننا كثيرًا ما نخطئ الطريق ونحن نُحسن النيّة. نراقب دفاترهم بعناية، ونتابع نتائجهم بقلق، ونفرح حين ترتفع الدرجات، غير أننا نغفل أحيانًا عن السؤال الأهم: ماذا نزرع في داخلهم وهم يكبرون؟

نُعد أبناءنا لاجتياز اختبارات محددة بزمن، بينما الحياة التي تنتظرهم امتحان مفتوح لا يعلن موعده، ولا يقدّم نموذجًا للإجابات، ولا يمنح فرصة إعادة بلا ثمن. الحياة لا تسأل عمّا حُفظ، بل عمّا فُهم، ولا تختبر الذكاء فقط، بل تختبر القدرة على الاحتمال والاختيار والتوازن.

في مسار التعليم التقليدي، نُتقن تدريب الأبناء على النجاح في الاختبار، لكننا لا نُتقن دائمًا إعدادهم للفشل الواقعي؛ ذلك الفشل الذي لا يُسقط الإنسان بقدر ما يكشفه. نُعلّمهم كيف يصلون إلى الإجابة الصحيحة، لكننا لا نُعلّمهم كيف يتصرفون حين لا يجدون إجابة، أو حين تكون الخيارات متشابهة، والنتائج غير مضمونة.

نحتفي بالدرجات العالية، ونربط التفوق بالقيمة، دون أن ننتبه إلى أن بعض الأبناء قد ينجحون أكاديميًا، ويخسرون داخليًا شعور الطمأنينة أو الثقة بالنفس. حين يصبح القبول مشروطًا بالنتيجة، يتحول التعليم من مساحة بناء إلى مصدر ضغط، ويغدو النجاح عبئًا بدل أن يكون دافعًا.

الحياة خارج قاعات الاختبار لا تقيس الإنسان بالأرقام، بل بمواقفه. تسأله: كيف تواجه القلق؟ كيف تتعامل مع الخسارة؟ كيف تتخذ قرارًا حين لا يكون الصواب واضحًا؟ وكيف تبقى متزنًا حين لا يوجد من يصفّق لك أو يمنحك شهادة تقدير؟

الاختبار يقيس الذاكرة، أما الحياة فتقيس الشجاعة. الاختبار يُرتّبك بين الآخرين، أما الحياة فتضعك وجهًا لوجه مع نفسك. وهناك، لا قيمة لرقم، ولا لمقارنة، ولا لمقعد متقدم، إن لم يكن الإنسان قادرًا على فهم ذاته وإدارة مشاعره وتحمل مسؤوليته.

من هنا، نحن بحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم الإعداد. لسنا مطالبين بأن نُخرج أبناءً لا يخطئون، بل أبناء يعرفون كيف يتعلمون من الخطأ. لسنا بحاجة إلى جيل يحفظ كثيرًا وينهار سريعًا، بل إلى جيل يفهم، ويتوازن، ويعرف أن قيمته لا تختصر في نتيجة، ولا تُلغى بعثرة.

السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يرافقنا كآباء ومربين ليس: كم حقق أبناؤنا؟
بل: هل أعددناهم ليكونوا بخير… حين تختبرهم الحياة، لا حين يُختبرون في ورقة ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى