المقالات

مقالي عن ما شاهدْتهُ عيني عند باب المتوسطة الثالثة للبنات بطريف

يكتبه الدكتور: فواز صايل الرويلي

لم أذهب للمدرسة أول من أمس كمراجع، ولا كضيف مدعو لحفل.. ذهبت كأب بسيط، جاء في نهاية الدوام ليُحضِر بناته من المدرسة المتوسطة الثالثة بمحافظة طريف بمنطقة الحدود الشمالية .

كانت الساحة مزدحمة بأولياء الأمور، وأصوات الطالبات، وصوت أجراس الانصراف المعتاد.. لكن عيني توقفت فجأة عند لوحة كبيرة منصوبة بعناية عند المدخل، لم أستطع تجاوزها. لوحة لم تكن كغيرها من لوحات التعاميم.

كان عنوانها بالأرجواني: إعلان.. شراكة مجتمعية مع أولياء الأمور – صدقة جارية لشهداء الوطن .

وقفت أقرأ، وبناتي يقتربن مني، وإذا بي أمام فكرة هزتني من الداخل.

المدرسة تعلن بالتعاون مع أولياء الأمور عن بدء مبادرة(صدقة جارية لشهداء الوطن)، وذلك من خلال المساهمة في مشروع وقفي خيري، يُعد صدقة جارية باسم شهدائنا الأبرار، تقديراً لتضحياتهم العظيمة في سبيل الوطن وحفظ أمنه واستقراره.

في تلك اللحظة، نسيت زحمة الانصراف.

تذكرت أن الأمن الذي جئت لأخذ بناتي فيه آمناً مطمئناً، لم يأتِ صدفة. هناك من دفع روحه ثمناً لهذا الأمان. هناك أب لم يعد ليحضر ابنته، لأن ابنتنا تعود آمنة.

ما لفتني أكثر هو جمال التنفيذ. العلم السعودي يرفرف في اللوحة، وخلفه طيف جنودنا، وأمامه حجر كتب عليه مجدهم في قلوبنا ، وعبارة تهز القلب: شهداؤنا فخر وطننا.. شهداؤنا لن ننساهم .

وتحتها أربع عبارات تختصر الفلسفة كلها:

• الوفاء لشهدائنا من أسمى القيم
• بمشاركة أولياء الأمور نبني مجتمعاً واعياً
• مساهمة بسيطة تصنع أثراً كبيراً
• أجر عظيم في الدنيا والآخرة

ثم تختم اللوحة بعبارة: معاً.. نُجدد العهد ونُحيي ذكرى أبطالنا .

سألت ابنتي: من صاحبة هذه الفكرة؟ قالت: مديرتنا الأستاذة جميلة الشراري و الأستاذة نصرة هلال العنزي منسقة الشراكة المجتمعية وبالتعاون مع الكادرين الإداري والتعليمي في المدرسة .

هنا أدركت أننا أمام إدارة تعليمية لا تفكر داخل الفصل فقط. هذه إدارة تفكر في بناء الإنسان قبل بناء الدرجات. فأي درس أعظم من أن تعلم بناتنا أن هناك من مات لكي نعيش نحن بكرامة؟ وأي تربية أعظم من أن تربط الصدقة الجارية باسم شهيد؟

أنا كولي أمر، أقولها بصدق: هذه المبادرة شدتني أكثر من أي رسالة واتساب ترسلها المدرسة. لقد جعلتني شريكاً حقيقياً. لم أعد مجرد سائق ينتظر ابنته عند الباب، بل أصبحت مساهماً معها في وقف باسم شهيد.

كل الشكر والتقدير من قلب أب، لمديرة المدرسة الأستاذة جميلة بنت عتيق الشراري، وللكادر الإداري والمعلمات، ولمبدعة الفكرة الأستاذة نصرة هلال العنزي.

لقد أحضرت بناتي من المدرسة، وأحضرت معهن درساً في الوطنية لن أنساه.

شكراً للمتوسطة الثالثة بطريف.. شكراً لأنكم علمتمونا أن “مجدهم في قلوبنا” ليس شعاراً، بل عمل وطنياً يحتذى به .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى