لم نعد نكتفي بأن نعيش اللحظة بل أصبحنا معنيين بإثبات أننا نعيشها! لم تعد السعادة شعوراً نكتفي به بل مشهداً ينبغي أن يراه الآخرون ولم تعد النعمة قيمة نحمد الله عليها بل صورة نتنافس في عرضها.
في زمن الاستعراض لم تعد بعض المناسبات تقام للاحتفاء بالمناسبة ذاتها بقدر ما أصبحت فرصة لاستعراض التفاصيل من الملبس والمقتنيات إلى الموائد والوجهات السياحية. حتى الأعمال الخيرية لم تسلم أحياناً من عدسات التصوير فأصبح المشهد لدى البعض أهم من الأثر والصورة أسبق من الرسالة.
المشكلة ليست في مشاركة اللحظات الجميلة ولا في توثيق النجاحات بل في أن تتحول الحياة إلى سباق لإبهار الآخرين وأن نقيس قيمتنا بحجم ما نملك وعدد من يشاهدوننا ومقدار ما نحظى به من إعجاب.
والأكثر غرابة أننا قد ننفق من أجل أن نبدو سعداء ونبالغ في إظهار ما نملك ثم نقع في فخ المقارنة بحياة الآخرين متناسين أن ما نراه على الشاشات ليس الحياة كاملة بل الجزء الذي اختار أصحابه عرضه منها.
إن ثقافة الاستعراض لا تسرق خصوصيتنا فحسب بل قد تسلبنا عفوية الحياة أيضاً فنصبح أسرى لصورة صنعناها عن أنفسنا نخشى أن تتصدع أمام الآخرين وننسى أن الإنسان ليس مطالباً بأن يبدو ناجحاً وسعيداً ومبهراً في كل الأوقات.
لسنا بحاجة إلى إخفاء أفراحنا بل إلى تحريرها من الحاجة الدائمة إلى التصفيق ولسنا مطالبين بإغلاق هواتفنا بقدر ما نحن مطالبون بألا نفتح حياتنا كلها على مصراعيها لإرضاء جمهور لا يعرف عنا إلا ما نختار عرضه.
فليست كل نعمة بحاجة إلى إعلان ولا كل سعادة تحتاج إلى شهود ولا كل إنجاز تكتمل قيمته بالتصفيق له.
وربما يجدر بنا أن نسأل أنفسنا لو غابت أعين الناس وتوقفت عدسات التصوير واختفى الإعجاب فهل سنظل سعداء بما نعيشه ونملكه؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي أن نعيش حياة نرضى عنها لا حياة ننجح فقط في إقناع الآخرين بجمالها .




