المقالات

بين كل أجهزة المستشفى… كنت أنا قلبه الذي لا يغيب

الكاتبة أ. زينة آل حمزة

هناك أوجاع لا يراها الناس…

أوجاع تسكن خلف الابتسامة، خلف الصمت، خلف امرأة تبدو قوية أمام الجميع بينما هي من الداخل تنهار خوفًا على والدها.

أنا زينة آل حمزة…

واليوم لا أكتب كسيدة أعمال، ولا كامرأة يعرفها المجتمع، بل أكتب كابنة يرتجف قلبها كل ليلة وهي ترى والدها يقترب من عملية قلب مفتوح، عملية كبيرة،  أخبرتني الحياة بعدها أن الإنسان قد يبدو ثابتًا أمام الناس، لكنه ينهار حين يتعلّق الأمر بوالده

والدي لقّبني دائمًا بـ “الابنة الحنونة البارّة”، وكان يقولها أمام الجميع:

“وقفتها معي تساوي مليون رجل.”

وهذه الكلمات ليست مجرد مدح… بل وسام أحمله فوق رأسي ما حييت

ابي ..

الرجل الذي كنت أشعر أن الدنيا كلها بخير طالما أنه بخير.

الرجل الذي كلما تعبتُ احتميت بصوته، وكلما ضاقت بي الحياة شعرت أن وجوده وحده أمان.

واليوم…

أقف عاجزة أمام فكرة دخوله غرفة العمليات.

منذ أن أخبرونا أن والدي يحتاج إلى عملية قلب مفتوح، وأنا أعيش حربًا داخل قلبي.

أبتسم أمامه حتى لا يخاف، ثم أذهب وحدي لأبكي بصمت لا يسمعه إلا الله.

أراقب أنفاسه وكأن روحي معلّقة بها

لا أحد يعرف معنى أن تحترق أعصابك من الخوف على والدك.

لا أحد يعرف معنى أن تسهر حتى الفجر وأنت تدعو:

“يارب… لا تريني فيه بأسًا يبكيني.”

لا أحد يشعر كيف يكون قلب الابنة حين ترى والدها يتألم ولا تستطيع أن تأخذ عنه الوجع.

أقسم بالله…

لو كان بإمكاني أن أُعطيه قلبي بدل قلبه لفعلت.

ولو كان الألم يُنقل، لتمنيت أن أنتقل أنا إلى سرير المرض ويبقى هو معافى لا يمسّه سوء

الناس تتفاخر بما تملك…

أما أنا، فأفتخر أنني ابنة بارّة بوالديها.

أفتخر أنني لم أترك والدي يومًا وحيدًا في مرضه، ولم أبحث عن راحتي بينما هو يتألم.

البعض يظن أن العظمة في المناصب والشهرة والأموال…

لكنني تعلمت أن أعظم الناس هم الذين ينحني لهم والداهم بالدعاء.

العظمة الحقيقية ليست أن يعرفك العالم…

العظمة أن يقول والدك وهو راضٍ عنك:

“الله يرضى عليك يا ابنتي.”

لم أكن مجرد ابنة تأتي وتمضي.

كنت أعيش معه كل تفصيلة، كل موعد، كل تحليل، كل انتظار طويل أمام الأبواب البيضاء الباردة.

حتى أصبح الأطباء والممرضون يعرفونني من كثرة وجودي معه.

لكنهم لم يكونوا يعلمون أنني كنت أخاف من أي صوت، من أي خبر، من أي كلمة قد تهزّ عالمي كله.

الناس تركض خلف المال…

وأنا كنت أركض خلف كرسي والدي في ممرات المستشفى.

الناس تبحث عن الشهرة…

وأنا كنت أبحث عن دعوة من أبي وهو يبتسم لي رغم تعبه.

اليوم فهمت معنى قوله تعالى:

﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾

لأن البرّ ليس كلمة تُقال…

البرّ أن تتعب وأنت مبتسم، أن تخفي خوفك حتى لا يخافوا، أن تحارب انهيارك حتى يبقوا مطمئنين.

يا الله…

إني استودعتك أبي، قلبه، أنفاسه، صحته، وابتسامته التي لا أحتمل أن تختفي.

اللهم إنني أخاف عليه أكثر من خوفي على نفسي، فأعده لي سالمًا معافى، واجعلني أسمع صوته بعد العملية وهو يناديني بنتي الحنونه

وإلى كل من يقرأ كلماتي الآن…

اذهبوا إلى آبائكم وأمهاتكم.

قبّلوا رؤوسهم.

احتضنوهم طويلًا.

قولوا لهم إنكم تحبونهم.

فوالله… لا توجد قوة في هذا العالم تكسر الإنسان مثل خوفه على والديه.

إذا كان والداك على قيد الحياة، فأنت تملك كنزًا لا يُعوّض.

اذهب إليهما الآن…

قبّل أيديهما، اجلس بقربهما، اسمع تفاصيلهما الصغيرة، واحتضنهما طويلًا.

لأن اليوم الذي تخاف منه ليس الفقر… بل اليوم الذي تنادي فيه: “أبي”… ولا يأتيك الرد.

دعواتكم لأبي…

فقلبي يبكي بصمت لا يراه أحد

أنا لا أريد من الدنيا قصورًا ولا ألقابًا.

يكفيني أن والدي ينظر إليّ بعين الفخر، وأن أمي تدعو لي من قلبها.

هذه هي الثروة التي لا يملكها كثير من الناس.

اللهم لا تريني في أبي بأسًا يبكيني، واشفه شفاءً لا يغادر سقمًا.

دعواتكم لأبي… فإن قلبي لم يعد يحتمل هذا الخوف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى