المقالات

لماذا نحزن على من لم نعرفهم؟

بقلم د. محمد بن حوقان المالكي

لماذا نحزن على من لم نعرفهم؟

‏سؤالٌ يبدو بسيطًا،

‏لكنه يحمل في داخله كل هذا الثقل.

‏نحزن… لأن بعض الناس لا يحتاجون أن نعرف أسماءهم جيدًا،

‏ولا أن نجلس معهم،

‏ولا أن نتقاسم خبزًا أو طريقًا،

‏يكفي أن نراهم كما هم…

‏فنحبهم.

‏أبو مرداع لم يكن شخصًا على شاشة.

‏كان ابتسامة تمشي.

‏كان طيبةً لا تتكلّف،

‏وكرمًا لا يُعلن،

‏وفزعةً تشبه الرجال الذين إذا حضروا حضر الأمان.

‏كنا نراه فنرتاح،

‏نسمع ضحكته فنبتسم دون وعي،

‏نشاهد عفويته فنشعر أن الدنيا لا تزال بخير.

‏وحين غاب…

‏لم نشعر أننا فقدنا “مشهورًا”،

‏بل فقدنا إنسانًا يشبه أخًا، أو صديقًا،

‏أو شخصًا تمنّينا لو كان في مجالسنا.

‏أما دخيّل…

‏فحكايته كسرتنا من الداخل.

‏لم نحبه لأنه يظهر،

‏بل لأنه كان قريبًا من أبيه.

‏حبيناه في برّه،

‏في حضوره الدائم،

‏في تلبية الطلب دون تذمّر،

‏في تلك العلاقة النادرة بين أبٍ وابنه

‏التي لا تحتاج شرحًا… تُرى فقط.

‏كنا نشاهد المقاطع

‏ونشعر أن هذا الابن نعمة،

‏وأن هذا الأب يعيش مطمئنًا بوجوده.

‏ثم رأينا أبا دخيل

‏يرثي ابنه وهو حي…

‏وكأن قلبه كان يعرف.

‏ذلك المقطع الذي بكى فيه غيبة دخيّل ليومين،

‏وقال بصوتٍ موجوع:

‏“عوالي ما يقصرون… لكن دخيّل دخيّل

‏لم تكن جملة.

‏كانت اختصار حياة كاملة.

‏ثم جاء الفقد…

‏وجاء الوجع الذي لا يُقال.

‏رأينا أبا دخيل صابرًا،

‏واقفًا،

‏يواسي الناس،

‏يخفف عنهم،

‏ونحن نعرف أن قلبه هو الأكثر احتياجًا للمواساة.

‏ذلك المشهد علّمنا معنى الصبر الحقيقي.

‏أن تكون موجوعًا…

‏ولا تجرح غيرك بوجعك.

‏أن تكون مكسورًا…

‏ولا تُسقِط أحدًا معك.

‏اتفق الناس كلهم، دون تنسيق،

‏على شيءٍ واحد:

‏أنهم كانوا طيبين.

‏وحين يتفق الناس على طيبة شخص بعد رحيله،

‏فاعلم أن الفقد حقيقي،

‏وأن الحزن صادق،

‏وأن الأثر عميق.

‏نعم…

‏حزِنّا عليهم،

‏رغم أننا لم نعرفهم.

‏لأنهم أعادوا إلينا الإيمان بالإنسان.

‏ذكّرونا أن البر ما زال موجودًا،

‏وأن الأخلاق لا تحتاج ضجيجًا،

‏وأن الطيب يترك أثره… حتى بعد الرحيل.

‏رحم الله أبا مرداع،

‏ورحم الله دخيّل،

‏وجعل مثواهما الجنة.

‏اللهم اربط على قلب أبي دخيل،

‏وعلى قلب والد أبي مرداع،

‏وألهمهما الصبر والسلوان،

‏وجبرًا لا ينكسر بعده قلب،

‏وعوضًا يليق بعظيم الفقد.

‏سيغيبون عن الشاشات،

‏لكنهم لن يغيبوا عن القلوب.

‏ومن يشتد عليه الحنين…

‏سيجد نفسه يعود يبحث،

‏يشغّل مقطعًا قديمًا،

‏يبتسم مرة،

‏وتدمع عينه مرة أخرى،

‏لأن بعض الوجوه لا نودّعها حقًا…

‏نحن فقط نشتاق لها بصمت.

‏ولعل في حكايتهم رسالة هادئة

‏لكل من يملك اليوم منبرًا أو جمهورًا:

‏أن المكانة الحقيقية لا تُصنع بالضجيج،

‏ولا تُقاس بعدد المتابعين،

‏بل تُبنى بالصدق،

‏وبالعمل التلقائي،

‏وبالروح الطيبة التي تصل للناس دون تكلّف.

‏هكذا صنع دخيّل وأبو مرداع مكانتهم،

‏وهكذا بقوا…

‏وهكذا يُفتقد الإنسان

‏حين يختار أن يكون إنسانًا أولًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى