بقلم الأستاذ / إبراهيم الزوعاني
في زحام الحياة ومتاهاتها المتشابكة، يُمنح الإنسانُ كل يومٕ حرية الاختيار ليصنعَ ملامح يومه ويحددَ مسارَ غده. غير أن أثمن تلك الخياراتِ وأعمقها أثراً ليس في المكان الذي تحلّ فيه أقدامنا، بل في المنزلة التي نرتضيها لأرواحنا، والركائز التي نختار أن نبنيَ عليها كياننا.
إن المرءَ حيث يضع نفسه؛ فإن اهتم بها ورعاها، وسما بها نحو المعالي، ونفع العباد بالكلمة الطيبة والفكر الصائب والعمل الصالح، غدت أيامه زاهرة، وأوقاته معمورة بالرضا والرفعة. فالإنسان الحيّ لا يكتفي بأن يُساق مع الأيام، ولا يرضى بأن يكون هامشاً في كتاب غيره، بل يسعى دوماً ليبذر الخير أينما حل، وليترك أثراً يربو ونفعاً يمتد.
وفي هذا المعنى الشريف يقول الشاعر:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه
فكن طالباً في الناس أعلى المراتب
وفي المقابل، كم هو مؤسفٌ أن ترى من حباه الله العقل والقدرة، يظلم نفسه، ويخفض قدرها، فيرتضي لها الهوان والوضاعة، ويهوي بها إلى حضيض الإسفاف، بعد أن كانت مهيأة للرفعة والاستحقاق! غافلاً عن أن القاع زحام، وأن المعالي لا يبلغها إلا أولو العزائم والأخلاق.
وليس الإنجاز الأكبر أن نبلغ شأواً فارغاً من القيمة، بل أن نكون حيثما وُجدنا بلسم شفاء، وينبوع خير يسقي عطش القلوب، ويداً تبني ولا تهدم، وروحاً تنشر الأمل والسكينة فيمن حولها.
فنفسك أمانة بين يديك؛ إما أن ترفعها إلى مراتب السمو والرفعة، وإما أن تدسّها في ركام الخمول وقيعان الدنايا. فضع نفسك حيث تشاء!



