✍🏻 صالح جراد الشهري
السعودية تمتلك من أدوات القوة والردع ما يجعل أي حسابات تستهدف أمنها ومصالحها حسابات بالغة التعقيد، لكن قوة المملكة لا تُقاس فقط بما تستطيع فعله عسكريًا، بل بما تستطيع أن تمنع حدوثه أصلًا. فالدولة التي تملك القدرة على الرد لا تحتاج إلى تحويل كل تهديد إلى حرب، والدولة التي تعرف حجم قوتها لا تسمح لخصمها بأن يحدد لها متى تبدأ المواجهة، وكيف تبدأ، وأين تنتهي.
ولهذا، فإن عدم دخول السعودية في حرب يضع قواعدها خصمها لا يعني تراجعًا ولا عجزًا، بل يمكن أن يكون قرارًا استراتيجيًا يقوم على رفض منح الطرف الآخر امتياز اختيار توقيت المواجهة وشكلها وأهدافها. فالحرب التي يحدد الخصم ظروفها قد تمنحه أفضلية البداية، بينما الدولة التي تحافظ على هدوئها وتحتفظ بخياراتها تستطيع أن تختار توقيتها وأدواتها وفق ما يخدم أمنها الوطني.
المواطن السعودي لا يريد حربًا لمجرد إثبات القوة، لكنه في الوقت ذاته يعرف أن وراء هذا الهدوء قوة حقيقية، وأن ضبط النفس ليس فراغًا، وأن الصمت ليس عجزًا، وأن السعودية عندما تتحرك، فإنها تتحرك وفق حساباتها هي، لا وفق إملاءات خصومها.
القوة السعودية الحقيقية تكمن في تعدد خياراتها؛ فالردع العسكري يقف إلى جانب الدبلوماسية والاقتصاد والتحالفات والقدرة الأمنية والسياسية، وهذا يمنح المملكة مساحة واسعة للتعامل مع الأزمات، دون أن تصبح أسيرة لخيار واحد أو رد فعل متسرع.
وفي منطقة اعتادت بعض الأطراف فيها صناعة الأزمات ثم انتظار ردود الأفعال، فإن أخطر ما يمكن أن تفعله دولة هو أن تسمح لخصمها بأن يكتب لها سيناريو المواجهة، ثم يجرها إلى تنفيذه. ولذلك، فإن الحكمة ليست في إطلاق النار أولًا، وإنما في امتلاك القدرة على جعل الطرف الآخر يدرك أن أي اعتداء ستكون له تبعات، وأن اختيار المملكة للتهدئة لا يعني أنها فقدت القدرة على الرد.
السعودية لا تبحث عن الحرب؛ لأنها تعرف ثمنها، وتعرف أن المواطن والاقتصاد والتنمية والاستقرار جميعها أكبر من أن توضع في مغامرة غير محسوبة. لكنها، في الوقت ذاته، لا تقبل أن يتحول السلام إلى ضعف، ولا أن تتحول الدبلوماسية إلى تنازل عن السيادة.
ولهذا يمكن اختصار الموقف في معادلة واضحة: السعودية لا تدخل حربًا يكتب عدوها قواعدها، ولا تسمح لخصمها بأن يحدد لها توقيتها، ولا تقدم قوتها مجانًا لمن يبحث عن إشعال المنطقة؛ لكنها، في المقابل، تحتفظ بحقها الكامل في حماية أمنها ومصالحها عندما يصبح الرد ضرورة وطنية.
ختاماً :
القوة ليست أن تدخل كل معركة، بل أن تمتلك القدرة على اختيار المعركة التي تستحق أن تُخاض، وتملك في الوقت نفسه من أدوات الردع ما يجعل كثيرًا من المعارك لا تبدأ أصلًا




