✍🏻الكاتب : أ.مصهف علي عسيري
رمضان ليس شهراً يمرّ…
بل مرآةً تُعرض فيها أرواحنا على حقيقتها.
كان زمان…
يأتي هادئاً كخطوات أمٍّ توقظ أبناءها للسحور،
تفوح رائحته من تنور الخبز،
ومن دعاء الجدّات في السحر.
لم تكن البيوت واسعة…
لكن القلوب كانت تتّسع للجميع.
كان الفرح بسيطاً،
والإفطار تمراتٍ وماء،
لكن الشبع الحقيقي كان شبع الطمأنينة.
كنا نصوم عن الطعام…
ونفطر على المحبة.
لم تكن الأطباق تتزاحم على الموائد،
بل كانت الأرواح تتزاحم على الصفوف الأولى.
وكان السؤال كل ليلة:
هل قُبل منا؟
لا: ماذا سنأكل غداً؟
أما اليوم…
فكبرت الموائد حتى ضاقت الأرواح.
وصار رمضان يُصوَّر أكثر مما يُعاش.
تعددت الرسائل…
وقلّت الخلوات.
وأصبح الجوع أحياناً جسداً فقط…
لا نفساً.
ومع ذلك…
يبقى رمضان كما هو.
شهرٌ لا يتغيّر…
نحن الذين نتغيّر.
هو مدرسة الصبر حين يجوع الجسد،
ومدرسة الإخلاص حين تخلو السرائر،
ومدرسة التوازن حين نتعلّم أن نملك رغباتنا
بدل أن تملكنا.
فوائده ليست في الامتناع عن الطعام،
بل في التحرر من التعلّق.
ليس في السهر الطويل،
بل في السجدة الصادقة.
ليس في كثرة الأعمال،
بل في صدق النيّات.
رمضان فرصة لإعادة ترتيب الداخل:
أن نُصلح خصومةً،
أن نردّ مظلمة،
أن نفتح مصحفاً بوعي لا بعادة،
أن يكون لنا عمل خفيّ لا يعلمه إلا الله.
هو شهر يُعيد تعريف الإنسان:
إما أن يخرج منه أخفّ من ذنوبه…
أو أثقل من غفلته.
يا الله…
اجعل رمضاننا هذا عودةً لا عادة،
وتوبةً لا موسماً،
وقرباً لا طقساً عابراً.
واجعلنا ممن إذا ودّعوه…
اشتاقت قلوبهم إليه قبل أن يشتاقوا إلى العيد .




