الكاتب أ.مصهف علي عسيري
في خضمّ الحياة، وبين تقاطعات العلاقات والفرص والخيبات، تتردّد مقولة شعبية عميقة الدلالة: «ما يحكّ جلدك إلا ظفرك». ليست عبارة قاسية كما تبدو، ولا دعوة إلى القطيعة مع الناس، بل تلخيصٌ صريح لحقيقة إنسانية: أن مسؤولية النجاة تبدأ من الداخل.
هذه الحكمة لا تنفي قيمة التعاون، لكنها تعيد ترتيب الأولويات. فالآخرون قد يخففون الألم، لكنهم لا يستطيعون أن يقرّروا بدلًا عنك، ولا أن ينهضوا نيابةً عنك. هناك لحظات لا ينفع فيها الانتظار، ولا يجدي التعويل على الخارج، بل تتطلب شجاعة مواجهة الذات.
كثيرًا ما ننتظر اعتذارًا يرممنا، أو فرصةً تطرق الباب، أو كلمةَ ثناءٍ تعيد إلينا الثقة. غير أن الحقيقة أن أعظم الأبواب لا تُفتح إلا من الداخل، حين نمتلك إرادة الدفع.
“الظفر” هنا ليس أداة صغيرة، بل رمزٌ لعقلك حين يراجع، وقلبك حين يثبت، وإرادتك حين تختار الفعل بدل الشكوى. النجاح لا يُهدى، والكرامة لا تُستعار، والثقة لا تُستجدى؛ كلها تنبت أولًا في الداخل، ثم يراها العالم.
الفرق بين الاعتماد الصحي والتواكل واضح: أن تتعاون وأنت قائم، لا أن تنتظر من غيرك أن يقيمك. أن تشكر من يعينك، دون أن تُسقط عنه مسؤوليتك.
«ما يحكّ جلدك إلا ظفرك» ليست قسوةً على العالم، بل عدلًا مع النفس. إنها تذكير بأن أقرب طريق إلى التغيير يمر عبرك، وأن أعظم معاركك ليست مع الآخرين، بل مع ترددك وخوفك وتأجيلك.
في النهاية، ما ينهض بك بعد كل تعثر هو قرارك، وما يصنع مستقبلك هو يقينك، وما يشكّل ملامحك الحقيقية هو إيمانك بأنك قادر… متى ما قررت أن تبدأ .





