المقالات

اللحظة التي نختار فيها انفسنا .

————————————-
بقلم : أ.مصهف بن علي عسيري
—————————————

ليست كل اللحظات متشابهة؛ فبعضها يمرّ عابرًا كنسمةٍ خفيفة، وبعضها يترك أثره العميق في الروح، كأنه نقطة تحوّل لا عودة بعدها. ومن أصدق تلك اللحظات وأعمقها… اللحظة التي نختار فيها أنفسنا.

نختار أنفسنا حين نتوقف عن العيش بوصفنا امتدادًا لتوقعات الآخرين، أو صدىً لرغباتهم، أو استجابةً دائمة لنداءاتهم. نختار أنفسنا عندما نصغي لذلك الصوت الخافت في الداخل، الذي ظلّ طويلًا يهمس بالحقيقة، لكن ضجيج العالم كان أعلى من أن يُسمَع.

هذه اللحظة لا تولد فجأة، بل تنضج ببطء. تتشكل من تعبٍ متراكم، ومن أسئلةٍ لم تعد تقبل التأجيل، ومن خيباتٍ علّمتنا أن التضحية الدائمة بالنفس لا تصنع فضيلة، بل تستنزف الروح. عندها ندرك أن الكرم مع الآخرين لا ينبغي أن يكون على حساب كرامتنا، وأن العطاء لا يعني الذوبان.

واختيار الذات ليس أنانية، بل وعيٌ متأخر بحقيقة جوهرية:
أن من لا يحترم نفسه، يعجز عن منح احترامٍ صادق لغيره.
إنه لحظة مصالحة مع الداخل، نعترف فيها بحقّنا في الراحة، وحقّنا في الرفض، وحقّنا في أن نقول: هذا لا يشبهني… دون شعورٍ بالذنب.

في تلك اللحظة نعيد ترتيب العالم من حولنا. تخفّ الأصوات، وتتضح المسافات، وتتبدّل الأولويات. نميّز بصفاءٍ ما يستحق البقاء عمّا يجب أن يرحل، ومن يستحق القرب عمّن اعتاد أن يقتات على استنزافنا. نكتشف أن السلام الداخلي لا يُمنح… بل يُختار.

واختيار الذات ليس قطيعة مع الآخرين، بل تصحيح للمسار. هو عودة أكثر صدقًا، وأقل تصنّعًا، وأكثر قدرة على الحب؛ لأن الحب الحقيقي لا يولد من فراغٍ داخلي، بل من نفسٍ ممتلئة ومتزنة. حين نختار أنفسنا، نتوقف عن لعب أدوار لا تشبهنا، ونسمح لذواتنا أن تكون كما هي… بلا تبرير ولا اعتذار.

قد تكون هذه اللحظة موجعة، لأنها تتطلب شجاعة. شجاعة مواجهة الخوف من الرفض، ومن سوء الفهم، ومن الوحدة. لكنها في جوهرها لحظة تحرّر؛ لأن أثقل القيود ليست تلك التي يفرضها الآخرون علينا، بل التي نصنعها نحن حين نخاف أن نكون صادقين مع أنفسنا.

وفي النهاية، نكتشف الحقيقة الأعمق:
أن اختيار النفس ليس نهاية الرحلة، بل أول خطوة فيها…
فمن تلك اللحظة، يبدأ الإنسان في العيش لا كما يُراد له،
بل كما يكون جديرًا بنفسه .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى