المقالات

علم المعلومات: العقل المعرفي الذي يعيد هندسة منظومة المنح في القطاع غير الربحي في ظل رؤية المملكة 2030

 

✍🏻 أ.فاطمة عبدالله الزهراني

 

يشهد القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية تحوّلًا بنيويًا عميقًا منذ انطلاق رؤية المملكة 2030، حيث تجاوز العمل الخيري صورته التقليدية القائمة على المبادرات الفردية وردود الأفعال الآنية، ليدخل مرحلة جديدة تُدار فيها التنمية بمنطق المعرفة، وتُبنى قراراتها على التحليل العلمي والبيانات الموثوقة. وفي صميم هذا التحول يبرز علم المعلومات بوصفه الإطار المعرفي الذي أعاد تعريف فلسفة المنح، وحوّلها من أداة دعم إلى رافعة تنموية ذات أثر قابل للقياس والاستدامة.

لم تعد البيانات في السياق التنموي الحديث مجرد أرقام مجرّدة، بل غدت أصلًا معرفيًا استراتيجيًا يعالجه علم المعلومات عبر منهجيات منظمة لتحويله إلى معرفة تحليلية، ورؤى تفسيرية، ونماذج تنبؤية تدعم صناعة القرار. وقد مكّن هذا التحول الجهات المانحة من قراءة المشهد الاجتماعي والاقتصادي بعمق أكبر، وفهم الاحتياجات الحقيقية للمجتمع، وترتيب أولويات التمويل وفق أدلة علمية واضحة، بما ينسجم مع مستهدفات الرؤية في رفع كفاءة الإنفاق وتعظيم العائد الاجتماعي.

ومن خلال تطبيقات علم المعلومات، أعيدت هندسة منظومة المنح لتصبح أكثر عدالة وشفافية، حيث تستند عمليات التقييم والاختيار إلى نماذج تحليلية ومؤشرات أداء موضوعية تقيس الأثر، والجدوى، والاستدامة، بعيدًا عن العشوائية أو الاعتبارات غير المؤسسية. وأسهم هذا النهج في ترسيخ مبادئ الحوكمة، وتعزيز الثقة المتبادلة بين الجهات المانحة والمستفيدين، بما جعل المنح أداة استراتيجية للتنمية لا مجرد وسيلة دعم مؤقت.

كما أسهم علم المعلومات في بناء بيئة رقمية معرفية أكثر انفتاحًا وكفاءة، عبر منصات ذكية أتاحت لمقدمي الطلبات عرض مشاريعهم بوضوح، وتتبع مراحل التقييم، والاطلاع على نتائج التحليل والتغذية الراجعة. ولم تعد هذه المنصات مجرد قنوات لإدارة الطلبات، بل تحولت إلى مستودعات معرفية تنتج بيانات تراكمية تسهم في تحسين جودة المشاريع المستقبلية، ورفع مستوى النضج المؤسسي في القطاع غير الربحي.

ورغم التقدم التقني والمعرفي المتسارع، يظل نجاح توظيف علم المعلومات مرهونًا بوجود ثقافة مؤسسية واعية بقيمة المعرفة، وقادرة على الاستثمار في رأس المال البشري المؤهل لتحليل البيانات، وبناء المؤشرات، وترجمتها إلى قرارات استراتيجية فاعلة. فالإنسان يظل المحور الذي يمنح علم المعلومات بعده الإنساني، ويربط بين التحليل الرقمي والواقع التنموي للمجتمع.

اليوم، يتجلى علم المعلومات كأحد أهم أدوات التمكين في القطاع غير الربحي، وكعصب استراتيجي لإدارة المنح وتحقيق الأثر المستدام. ومع مضي المملكة قدمًا في ترسيخ اقتصاد المعرفة ضمن رؤية 2030، يغدو الاستثمار في علم المعلومات ضرورة وطنية لا غنى عنها، لضمان منظومة منح أكثر وعيًا، وقطاع غير ربحي أكثر كفاءة، ومستقبل تنموي يقوم على المعرفة، والحوكمة، والاستدامة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى