المقالات

تجربة القارحي وعبدالواحد .. هل ستبقى الساحتين تحت ظل القامات ؟

صالح جراد الشهري 

هل كان حضورهما عابراً ؟ هل يمكن تجاوزهما ؟ العقل والمنطق يقولان أنّ ثمة أسماء تجاوزت حدود التجربة الفردية لتصبح جزءًا من ذاكرة الساحة وملامحها. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى ابتعاد حامد القارحي عن ساحة القلطة، وغياب عبدالواحد الزهراني عن ساحة العرضة، بوصفه حدثًا يتجاوز قرار الشاعرين إلى سؤال أكبر عن مستقبل الموروث الشعري وقدرته على إنتاج جيل يحمل الراية بعد القامات.

القارحي لم يكن حاضرًا في القلطة باعتباره شاعرًا يؤدي دوره ثم يغادر. كان أحد الذين منحوا المحاورة الشعرية شخصيتها، وجعلوا المواجهة بين الشاعرين مساحة للذكاء وسرعة البديهة وقوة المعنى. سنوات طويلة من الحضور صنعت له رصيدًا لدى المتلقي، وأصبح اسمه في حد ذاته عنصرًا يرفع سقف الترقب قبل أن تبدأ المحاورة.

ولهذا فإن غيابه لا يعني فقدان شاعر فحسب؛ بل فقدان طرف من أطراف المعادلة التي صنعت للقلطة جمهورها وهيبتها.

وفي العرضة الجنوبية، يحمل اسم عبدالواحد الزهراني دلالة مشابهة، وإن اختلفت الأدوات. فالزهراني امتلك صوتًا شعريًا وشخصية أدائية جعلته أحد الأسماء البارزة في المشهد، واستطاع أن يحجز لنفسه موقعًا في ذاكرة جمهور العرضة عبر سنوات من المشاركات والحضور.

وعندما يبتعد صوت بهذه القيمة، فإن الساحة لا تخسر قصيدة فقط، بل تخسر جزءًا من هويتها الأدائية.

المسألة هنا ليست في البحث عن بديل يحمل الاسم نفسه؛ فهذا مستحيل وغير مطلوب. فالشاعر الكبير لا يُستنسخ، والمراحل الشعرية لا تتكرر. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا بعد؟

ربما تمتلك الساحتان اليوم عشرات الشعراء القادرين على الحضور، لكن صناعة القامة الشعرية تختلف تمامًا عن صناعة الاسم المعروف. فالمكانة لا تصنعها كثرة الظهور، ولا عدد المناسبات، ولا انتشار المقاطع في المنصات الرقمية. المكانة تحتاج إلى تراكم، ومنافسة، وتجربة، وقدرة على صناعة اللحظة والاحتفاظ بها في ذاكرة الجمهور.

غياب القارحي والزهراني يكشف أن الساحة تحتاج إلى مشروع حقيقي لاكتشاف المواهب وصناعة الأسماء، وليس مجرد الاعتماد على المناسبات والحفلات. فالقلطة والعرضة موروثان حيان، وإذا أرادا الاستمرار فلا بد أن تتجدد دماؤهما دون أن تنقطع صلتهما بجذورهما.

وفي الوقت ذاته، لا ينبغي أن يتحول الحنين إلى الكبار إلى ظلم للجيل الجديد. فإذا ظل الجمهور يبحث عن «قارحي جديد» أو «عبدالواحد آخر»، فلن يمنح الشعراء الشباب فرصة لصناعة شخصياتهم الخاصة.

ربما لا يأتي البديل في صورة واحدة، وربما تحتاج الساحة إلى أكثر من شاعر حتى تملأ المساحة التي كان يشغلها اسم واحد. وهذا ليس ضعفًا، بل طبيعة المراحل الجديدة.

رحيل القامات يؤلم، لكنه يكشف في الوقت ذاته قيمة ما قدمته. فحامد القارحي ترك خلفه تجربة في القلطة يصعب تجاوزها، وعبدالواحد الزهراني ترك في العرضة بصمة لا يمكن تجاهلها. وما بين التجربتين، تقف الساحتان اليوم أمام مسؤولية تاريخية: الحفاظ على الموروث لا يكون بتجميده عند أسماء الماضي، كما أن التجديد لا يكون بإلغاء الماضي.

المطلوب أن نحفظ للقارحي والزهراني مكانتهما، وأن نمنح القادمين فرصة المنافسة، وأن نعيد الاعتبار للقصيدة بوصفها أساس المشهد لا مجرد خلفية للحضور.

فالقلطة والعرضة لا تحتاجان إلى نسخ جديدة من الكبار؛ تحتاجان إلى كبار جدد.وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي تركه غياب حامد القارحي وعبدالواحد الزهراني خلفهما.

أخيراً :

هل تستطيع الساحة أن تصنع جيلًا جديدًا لا يعيش تحت ظل القامات الراحلة، بل يقف يومًا إلى جوارها في ذاكرة التاريخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى