✍إ.مصهف بن علي عسيري
حين نتحدث عن الوطن، تتجه أبصارنا غالبًا إلى المدن والمنجزات الكبرى، لكن الوطن يبدأ من مساحةٍ أقرب: من الحي الذي نسكنه، والشارع الذي نعبره، والشجرة التي نستظل بها، والجار الذي يشاركنا المكان.
فحب الوطن ليس شعورًا نعلنه في المناسبات فحسب، بل سلوكٌ يومي؛ نضع النفايات في مكانها، ونحافظ على الحدائق والمرافق، وندرك أن الممتلكات العامة أمانةٌ وملكٌ لنا جميعًا.
ولعل السؤال الذي يستحق التأمل: كيف نطالب بمدينةٍ أجمل، ثم ننتظر أن يصنع جمالها الآخرون وحدهم؟
فالجهات المختصة تستطيع إنشاء الحدائق وتجميل الطرق وزراعة الأشجار، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة ثقافة المكان؛ فالمحافظة على المنجز لا تقل أهميةً عن إنشائه. والتشجير ليس مجرد لونٍ أخضر، بل ظلٌّ للمار، ونَفَسٌ للمدينة، ورسالةٌ للأجيال بأننا تركنا المكان أجمل مما وجدناه.
ثم يأتي الجار؛ الوجه الإنساني للحي. فما قيمة شارعٍ نظيف إذا كانت القلوب متباعدة؟ فالحي الجميل ليس أشجارًا وإنارةً فقط، بل سلامٌ يُلقى، ومريضٌ يُسأل عنه، وكبيرٌ يُوقر، ويدٌ تمتد عند الحاجة.
والوطنية كذلك ألا نقول عن الخلل: «ليس شأني»؛ فالإبلاغ عن حفرةٍ خطرة، أو إنارةٍ معطلة، أو مرفقٍ متضرر، صورةٌ من صور المسؤولية؛ لأن المواطن شريكٌ في تحسين مدينته، لا مجرد متلقٍ للخدمة.
وهذا المعنى ينبغي أن نغرسه في أبنائنا؛ فالورقة التي لا يرميها الطفل في الطريق درسٌ في المواطنة، والشجرة التي يحافظ عليها انتماء، واحترام الجار خُلق، والمحافظة على الممتلكات العامة مسؤولية.
فالأوطان العظيمة لا تبنيها المؤسسات وحدها، بل تبنيها أيضًا تفاصيل صغيرة يكررها ملايين المواطنين كل يوم.
فلنسأل أنفسنا: ماذا قدّمنا للمكان الذي يمثل الوطن أمام أبواب بيوتنا؟
قد تكون الإجابة شجرةً زرعناها، أو مرفقًا حافظنا عليه، أو أذىً أزلناه، أو جارًا أحسنّا إليه؛ أفعالٌ صغيرة، لكنها حين تتكرر تصبح ثقافة، وحين تصبح ثقافة تصنع حضارة.
فالوطن لا يبدأ عند حدوده البعيدة… بل من عتبة بيتك وحيّك، ومن شعورك بأن كل ما حولك أمانة، وأن أجمل صور الانتماء أن تترك المكان أجمل مما كان.




