✍ صالح جراد الشهري
حين نتحدث عن علي السالمي، فإننا لا نتحدث عن شاعر ظهر في ساحة سهلة، ولا عن اسم وجد طريقه مفروشًا بالتصفيق. السالمي جاء في مرحلة مختلفة من تاريخ العرضة في بني شهر، مرحلة كان فيها المشهد قد فقد أسماء كبيرة مثل مزهر الثرباني وبن لعدل، وبعد غيابهما أصبح على الجيل الذي جاء بعدهما أن يحمل حضور بني شهر في ساحة تتعدد فيها الأصوات وتشتد فيها المنافسة.
في تلك المساحة ظهر علي السالمي، ودخل ميدان العرضة ليقارع شعراء الساحة، ويصنع لنفسه حضورًا خاصًا امتد سنوات طويلة. لم يكن مطالبًا بأن يكون نسخة من مزهر أو بن لعدل، فكل شاعر له زمنه وصوته وتجربته، لكنه كان مطالبًا بأن يثبت أن بني شهر لا تزال قادرة على تقديم أسماء تستطيع الوقوف في الصف الأول.
وهذا ما فعله السالمي بطريقته. قد يختلف جمهور العرضة حول مستوى شاعر، أو يختلفون في قصائده وأسلوبه، وهذا أمر طبيعي في الشعر. لكن الخلاف في الذائقة لا ينبغي أن يتحول إلى إلغاء لتجربة رجل قضى سنوات طويلة في الميدان، وشارك في مناسبات كثيرة، وحمل اسمه وصوته إلى جمهور واسع.
ومن هنا يأتي التكريم الذي ناله السالمي من رجل الأعمال علي بن مشعوف باعتباره أكثر من مناسبة احتفالية. فالتكريم، في رأيي، كان رسالة وفاء لشاعر أفنى سنوات من عمره في الشعر والعرضة، ورسالة أخرى للمجتمع بأن المبدعين لا ينبغي أن ننتظر غيابهم حتى نكتشف قيمتهم.
واللافت في هذا التكريم أنه أعاد السالمي إلى دائرة الضوء من زاوية مختلفة؛ ليس باعتباره شاعرًا ينتظر دعوة إلى حفلة، وإنما باعتباره صاحب تجربة تستحق التقدير بذاتها.
وهنا تأتي المفارقة.فقبل أن يحظى بهذا الاحتفاء، كان السالمي قد مر بمرحلة شعر فيها بأن بعض الحفلات وأصحابها لم يعودوا يمنحون صوته وشاعريته المساحة التي كان يستحقها. وهذه ليست حكاية شاعر واحد؛ إنها مشكلة يعرفها كثير من أصحاب المواهب عندما تتغير الساحة وتظهر أسماء جديدة وتتبدل اهتمامات الجمهور. لكن ظهور الجديد لا يعني أن القديم أصبح بلا قيمة.
ثم جاء العارض الصحي الذي مر به السالمي ليضع القصة في سياق إنساني أكثر عمقًا. فالمرض يجعلنا نعيد النظر في أشياء كثيرة، ويجعل السؤال أكثر إلحاحًا: لماذا نؤجل الوفاء؟ ولماذا لا نكرّم الإنسان وهو قادر على سماع كلمات التقدير ورؤية أثر ما قدمه؟ وهنا كان تكريم ابن مشعوف في توقيته يحمل معنى مضاعفًا؛ تقدير لمسيرة، واحتفاء بإنسان مر بظرف صحي، وتأكيد أن المبدع لا يفقد قيمته لمجرد أن حضوره في بعض المناسبات تراجع.
أما جمهور العرضة في بني شهر، فأرى أن عليه مسؤولية أخلاقية تجاه ذاكرته الشعرية. المطلوب قطعاً ليس الإصرار على أن نقول إن علي السالمي أفضل شاعر، ولا أن نمنحه مكانة لا يستحقها، ولا أن نضعه فوق شعراء جيله أو من جاء بعده. المطلوب فقط هو الإنصاف.
لقد ظهر الرجل بعد غياب أسماء كبيرة، ودخل ساحة واسعة، وقارع عمالقة شعر من مختلف القبائل، وحافظ على حضوره سنوات طويلة. وهذه وحدها تجربة تستحق أن تُحفظ في الذاكرة.
إن احترام السالمي لا يعني إغلاق الباب أمام الشعراء بعده، بل يعني أن نعرف كيف تتعاقب الأجيال دون أن يمحو بعضها بعضًا.
مزهر الثرباني له مكانته، وبن لعدل له مكانته، وعلي السالمي له تجربته ومكانته، ومن سيأتي بعدهم سيصنع مكانته بطريقته.
المشكلة ليست في أن يتغير المشهد؛ فهذا طبيعي. المشكلة أن نسمح للتغيير بأن يمحو الذاكرة.
علي السالمي لا يحتاج إلى مجاملة، وإنما إلى قراءة عادلة لتجربته.
فقد يكون الشاعر خارج دائرة الضوء اليوم، لكن ذلك لا يعني أن صوته فقد قيمته.
والوفاء الحقيقي ألا ننتظر غياب الشاعر حتى نكتشف أنه كان جزءًا من تاريخنا.




