بقلم أ. ابتسام جبران آل عقيل
لم تعد الواجبات المنزلية مجرد أوراق قليلة يؤديها الطالب بعد عودته من المدرسة، بل أصبحت في بعض الحالات عبئًا يوميًا يمتد أثره من الطالب إلى الأسرة بأكملها، خصوصًا في الأسر التي لديها أكثر من ابن أو ابنة في مراحل دراسية مختلفة، حيث تتعدد المواد والمعلمون، وتتعدد معها الواجبات والمتطلبات والمواعيد النهائية للتسليم.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس: هل الواجبات المنزلية مهمة؟
فلا شك أن للواجب المنزلي دورًا تربويًا عندما يكون هادفًا ومعتدلًا ومناسبًا لعمر الطالب ومستواه.
لكن السؤال الأهم هو: متى يتحول الواجب من أداة للتعلم إلى عبء على الطالب والأسرة؟
إن الطالب يقضي ساعات طويلة في المدرسة، ثم يعود إلى المنزل وهو بحاجة إلى الراحة والطعام والنوم وممارسة حياته الأسرية والاجتماعية، وقد يحتاج كذلك إلى وقت للقراءة والهوايات والنشاط البدني. وعندما تتراكم عليه واجبات عدة مواد في اليوم نفسه، فإننا قد نصل إلى مرحلة لا يصبح فيها الهدف هو التعلم، بل إنجاز أكبر عدد ممكن من المهام قبل موعد التسليم.
الأسرة ليست فصلًا دراسيًا إضافيًا
من أكثر الجوانب التي تستحق التوقف عندها الدور الذي أصبحت بعض الأسر تؤديه في متابعة الواجبات.
فالأب والأم قد يجدان نفسيهما أمام مجموعة من الكتب والدفاتر والمنصات التعليمية والمهام والمشروعات، وكل معلم يضع متطلباته بمعزل عن متطلبات بقية المواد.
ومع وجود أكثر من طالب في الأسرة، يصبح المشهد أكثر صعوبة.
فالأم أو الأب قد يقضي ساعات يوميًا في الشرح والمتابعة والتصحيح والبحث عن الحلول، حتى يتحول المنزل إلى امتداد للفصل الدراسي، ويتحول الوالدان – من حيث لا يشعران – إلى معلمين مساعدين.
وهنا ينبغي أن نسأل بوضوح:
هل صُمم الواجب المنزلي ليقوم الطالب بأدائه، أم ليقوم الوالدان بأدائه معه؟
إذا كان الواجب يتطلب من ولي الأمر ساعات طويلة من الشرح والمتابعة، فإننا بحاجة إلى إعادة النظر في طريقة تصميمه وتوزيعه.
فالهدف من الواجب أن يقيس تعلم الطالب ويعزز مهارته، لا أن يقيس قدرة الأسرة على توفير الوقت أو الاستعانة بمدرس خصوصي.
وهل أصبح المعلم الخصوصي حلًا إلزاميًا؟
عندما تتراكم الواجبات، قد تجد بعض الأسر نفسها مضطرة إلى الاستعانة بمعلم خصوصي ليس من أجل رفع مستوى الطالب فحسب، وإنما لمساعدته على إنهاء الكم الكبير من الواجبات.
وهنا تظهر إشكالية أكبر:
إذا كانت المدرسة تقدم التعليم داخل اليوم الدراسي، فلماذا يصل بعض الطلاب إلى منازلهم وهم بحاجة إلى ساعات إضافية من التدريس حتى يستطيعوا إنجاز واجباتهم؟
إن الدروس الخصوصية ينبغي أن تكون خيارًا تربويًا عند وجود حاجة حقيقية، وليست حلًا اضطراريًا للتعامل مع كثافة الواجبات.
كما أن تحميل الأسرة تكلفة إضافية بسبب تراكم الواجبات يخلق تفاوتًا بين الطلاب؛ فالأسرة القادرة ماليًا تستطيع الاستعانة بمعلم، بينما قد تعجز أسرة أخرى عن ذلك.
وهذا يتعارض مع مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية.
أين التنسيق بين المعلمين؟
المشكلة في كثير من الأحيان ليست في المعلم منفردًا، وإنما في غياب التنسيق بين مجموعة المعلمين.
فكل معلم ينظر إلى مادته باعتبارها أولوية، وهذا أمر مفهوم، ولكن الطالب لا يعيش داخل مادة واحدة.
الطالب لديه لغة عربية، ورياضيات، وعلوم، ولغة إنجليزية، ودراسات اجتماعية، ومهارات رقمية، وغيرها من المقررات والأنشطة.
وقد يرى كل معلم أن الواجب الذي وضعه بسيط، لكن مجموع الواجبات في يوم واحد قد يتحول إلى ساعات من العمل.
ومن هنا تبرز أهمية أن يكون لدى المدرسة نظام واضح لتنظيم الواجبات المنزلية، بحيث يكون هناك تنسيق بين المعلمين، وتوزيع متوازن للمهام، ومراعاة لعمر الطالب وقدراته ووقته.
التغذية الراجعة للمعلم: ليست نقدًا بل أداة للتحسين
ومن المهم أن تكون هناك تغذية راجعة مستمرة للممارسات التعليمية، ليس بهدف تصيد الأخطاء، وإنما بهدف تطوير الأداء.
فالمعلم المتميز ليس من يكثر الواجبات، وإنما من يستطيع أن يحقق أهداف التعلم بأقل قدر من المهام وأكثرها أثرًا.
ومن الممارسات التي تستحق الإشادة لدى المعلمين:
– وضوح الهدف من الواجب.
– ارتباط الواجب مباشرة بنواتج التعلم.
– مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب.
– استخدام التقنية والمنصات التعليمية بصورة فعالة دون إفراط.
– تقديم تغذية راجعة للطالب على أدائه بدل الاكتفاء بدرجة أو علامة.
– تنويع أساليب التقويم.
– مراعاة الوقت الذي يحتاجه الطالب لإنجاز المهمة.
– التنسيق مع بقية معلمي الصف قبل تكليف الطلاب بمهام كبيرة.
– تجنب الواجبات التي تعتمد بصورة أساسية على تدخل ولي الأمر.
وفي المقابل، فإن الملاحظات المهنية التي ينبغي أن تراجعها المدرسة مع المعلمين تتمثل في كثافة الواجبات، تكرار المهام، ضعف ارتباط بعض الأنشطة بنواتج التعلم، عدم مراعاة الفروق الفردية، أو تحميل الأسرة مسؤولية تعليمية تتجاوز دورها الطبيعي.
هذه الملاحظات لا ينبغي أن تُفهم على أنها انتقاص من المعلم، بل على أنها جزء من التطوير المهني المستمر.
الطالب يحتاج إلى وقت ليكون طالبًا… وإنسانًا
علينا ألا ننسى أن المدرسة ليست المكان الوحيد الذي يتعلم فيه الطالب.
فالطالب يتعلم من أسرته، ومن مجتمعه، ومن القراءة، ومن التجربة، ومن الحوار، ومن ممارسة الرياضة، ومن الخطأ والصواب.
والتعليم الحقيقي لا يقاس بعدد الصفحات التي أنجزها الطالب في المنزل، وإنما بما اكتسبه من معرفة ومهارة وقدرة على التفكير وحل المشكلات.
ولهذا فإن تنظيم الواجبات المنزلية لا يعني إلغاءها، بل يعني إعادة تعريفها.
نريد واجبًا قصيرًا، واضحًا، هادفًا، قابلًا للإنجاز باستقلالية، ويمنح الطالب فرصة لتثبيت ما تعلمه، لا أن يفتح أمامه درسًا جديدًا يحتاج إلى معلم آخر في المنزل.
ماذا نحتاج من المدرسة والوزارة؟
نحن بحاجة إلى معالجة هذه القضية من منظور مؤسسي، وليس تركها لاجتهاد كل معلم.
ومن المقترحات العملية:
أولًا: وضع سقف زمني إرشادي للواجبات المنزلية يتناسب مع المرحلة العمرية، بحيث لا تتجاوز المهام قدرة الطالب ووقته المتاح.
ثانيًا: إنشاء جدول تنسيقي للواجبات داخل المدرسة، بحيث يعرف المعلمون ما كُلّف به الطالب في بقية المواد، ويتم توزيع المهام بصورة متوازنة.
ثالثًا: قياس زمن إنجاز الواجب من خلال استبيانات دورية للطلاب وأولياء الأمور، وليس الاكتفاء برأي المعلم في أن المهمة “سهلة”.
رابعًا: تقليل الواجبات التقليدية المتكررة واستبدالها بمهام نوعية قصيرة ذات قيمة تعليمية حقيقية.
خامسًا: تفعيل دور المدرسة في الدعم الأكاديمي بحيث يحصل الطالب على المساعدة داخل البيئة التعليمية عندما يحتاج إليها، بدل أن تنتقل المشكلة كاملة إلى المنزل.
سادسًا: تعزيز التغذية الراجعة المهنية للمعلمين من خلال الزيارات الصفية وتحليل أعمال الطلاب ومناقشة أثر الواجبات، مع التركيز على التطوير وليس العقاب.
سابعًا: إشراك أولياء الأمور في تقييم حجم الواجبات من خلال قنوات رسمية واستبانات دورية تتيح للوزارة والمدرسة معرفة الواقع الفعلي داخل المنازل.
ثامنًا: وضع مؤشر واضح لجودة الواجب، وليس كثرته.
فالمعلم الذي يكلف الطالب بعشر مهام ليس بالضرورة أكثر فاعلية من المعلم الذي يكلفه بمهمة واحدة صنعت فرقًا حقيقيًا في تعلمه.
نريد تعليمًا يرفع جودة الحياة لا يستهلكها
إن تطوير التعليم لا يعني فقط تطوير المناهج والمنصات والفصول الدراسية، بل يعني أيضًا أن نسأل عن تجربة الطالب بعد أن يغادر المدرسة.
هل يعود إلى منزله مرتاحًا وقادرًا على المراجعة والتعلم؟
هل لديه وقت لعائلته؟
هل يستطيع النوم بشكل كافٍ؟
هل يجد وقتًا للقراءة والرياضة والهوايات؟
وهل يستطيع ولي الأمر متابعة ابنه أو ابنته دون أن يتحول إلى معلم بديل؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا، بل جزء من جودة العملية التعليمية.
وفي النهاية، فإن رسالتنا ليست ضد المعلم، وليست ضد الواجب المنزلي، وليست اعتراضًا على حق المدرسة في متابعة تعلم طلابها.
بل هي دعوة إلى التوازن والتنسيق والعدالة.
نريد معلمًا يعلّم بذكاء، ومدرسة تنظم بوعي، ووزارة تضع الأطر والمعايير، وأسرة تساند أبناءها دون أن تتحمل مسؤولية التعليم كاملة.
فالطالب ليس آلة لإنجاز الواجبات، والأسرة ليست مدرسة مسائية، والمعلم ليس مطالبًا بإثبات جودة عمله بعدد الأوراق التي يحملها الطالب إلى منزله.
إن جودة التعليم لا تُقاس بما نُثقل به أبناءنا، وإنما بما نتركه في عقولهم وقلوبهم من علم، وثقة، واستقلالية، وحب للتعلم.
وربما آن الأوان أن ننتقل من سؤال:
“كم واجبًا أعطينا الطالب؟”
إلى سؤال أكثر أهمية:
“كم تعلّم الطالب من هذا الواجب؟ وكم أخذ منه من وقته ووقت أسرته؟”
فبين الواجب الذي يبني التعلم، والواجب الذي يرهق الأسرة، مساحة صغيرة اسمها التوازن… وهي المساحة التي يجب أن نبحث عنها جميعًا.




