المقالات

معًا… نصنعُ المستقبل

أ.مصهف بن علي عسيري

ثَمّة مواعيد لا تُكتب في التقويم وحده، بل في الوجدان؛ وبداية العام الدراسي واحدةٌ منها. ففيها تستيقظ المدارس من هدوئها، وتفتح أبوابها لأبنائنا وبناتنا، فتعود الممرات إلى ضجيجها الجميل، والسبورات إلى رسالتها، والمقاعد إلى احتضان أحلامٍ صغيرة قد تكبر يومًا لتصبح علمًا وإنجازًا ومستقبل وطن.

غير أن الحكاية لا تبدأ عند بوابة المدرسة؛ بل من البيت، حين تهيئ الأسرة أبناءها نفسيًا وتربويًا، وتغرس فيهم أن المدرسة ليست واجبًا ثقيلًا، بل فضاءٌ للمعرفة والصداقة واكتشاف الذات. فالكلمة الجميلة، والدعاء، والاهتمام بتفاصيل يوم الطالب، كلها تصنع في داخله شوقًا للمدرسة ورغبةً في التعلم.

فالأسرة والمدرسة شريكان في صناعة الإنسان؛ ما تزرعه المدرسة من علمٍ وقيمة يحتاج إلى بيتٍ يرعاه، وما تغرسه الأسرة من أخلاق تحتاج إلى مدرسةٍ تعززه وتحوله إلى سلوك. وحين تتقارب المسافة بينهما، يشعر الطالب أن الجميع يعمل من أجله، فيزداد اطمئنانًا وانتماءً.

وفي المدرسة تتكامل الأدوار؛ إدارةٌ واعية، ومعلمون ومعلمات مخلصون، ومرشدون وكوادر تربوية تتكاتف جهودهم لصناعة بيئة يكون الطالب فيها محور العملية التعليمية. فنجاح المدرسة لا يُقاس بعدد صفحات المنهج المنجزة، بل بما تضيفه إلى شخصية الطالب من وعي، وما تغرسه فيه من قيم، وما تكتشفه من مواهب.

والمعلم الحقيقي أبعد أثرًا من درسٍ يُشرح؛ فقد يصنع بابتسامة صباح طالب، وبكلمة تشجيع يوقظ موهبة، وبموقفٍ تربوي يبني ثقة، وبقدوةٍ حسنة يغرس قيمةً تبقى في النفس عمرًا.

ولعل أجمل ما نصنعه أن نجعل أبناءنا وبناتنا يحبون المدرسة قبل أن نطالبهم بالتفوق فيها؛ أن يدخل الطالب بوابتها بشغف، ويجد في معلمه قلبًا يؤمن بقدراته، وفي فصله مكانًا يحترم عقله، وفي أنشطته مساحةً يكتشف فيها ذاته. فالمدرسة التي يحبها طلابها تفتح أمامهم أبواب الفضول والسؤال، ومن السؤال تبدأ المعرفة الحقيقية.

ومع بداية هذا العام، تتجدد الفرصة لصناعة مدرسة جاذبة، وأسرة شريكة، ومعلم ملهم، وطالب شغوف؛ منظومة تتكاتف فيها الجهود لتحقيق غاية أسمى من النجاح الدراسي: بناء إنسانٍ يجمع العلم والأخلاق، ويعرف حق وطنه، ويحترم الآخرين، ويتحمل المسؤولية.

غدًا تعود الحقائب إلى الأكتاف، والخطوات إلى المدارس، والأصوات إلى الفصول؛ لكن الأجمل أن تعود الأحلام إلى الطريق.

ففي كل مقعد قصةٌ لم تُكتب بعد، وفي كل طالب احتمالٌ جميل، وفي كل معلم رسالة، وفي كل أسرة شريك؛ وحين تجتمع هذه الأيدي حول هدف واحد، فإننا لا نبدأ عامًا دراسيًا جديدًا فحسب، بل نبدأ فصلًا جديدًا في صناعة الإنسان.

وما نزرعه اليوم في قلب طالبٍ من علمٍ وقيمةٍ ومحبة، سنقطف ثماره غدًا وعيًا وإنجازًا وأخلاقًا… ووطنًا أكثر ازدهارًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى