✍ صالح جراد الشهري
اذكر جيداً ذلك المشهد المهيب في مناسباتنا ، لم يكن الدخول مجرد وصول إلى المكان، بل كان له طقس وهيبة وهوية. كانت العرضة الجنوبية جزءًا من المشهد، يتقدم فيها الصفان على صوت الزير، في مشهد يحمل معنى الاعتزاز بالقبيلة وتقدير المناسبة وأهلها.
ثم يأتي أحد الأعيان أو كبار القوم، فيختصر المشهد بكلمة موزونة، أو أبيات قليلة تحمل المعنى، فيعطي المناسبة حقها دون إطالة، ويترك للحدث هيبته وللحضور مساحتهم.
هذا الاختصار لم يكن نقصًا في الكلام، بل كان احترامًا للمقام. واليوم بدأ هذا المشهد يتغير في بعض المناسبات. تختفي العرضة، ويغيب اللباس الذي كان يمنح الدخول رمزيته، ويصبح الاصطفاف وحده هو المشهد، ثم تبدأ المنافسة على الميكروفون: من يتحدث أولًا؟ ومن يطيل أكثر؟ ومن يكرر عبارات الترحيب حتى تتحول المناسبة إلى خطب متتابعة؟
المشكلة ليست في الكلمة، ولا في الترحيب، ولا في تقدير الضيف، وإنما في أن تتحول الكلمة من إضافة للمناسبة إلى مناسبة بحد ذاتها.
لقد كانت العرضة تختصر كثيرًا مما نقوله اليوم في دقائق؛ صوت الزير، صفان متماسكين، حضور الرجال،، ثم ينتهي المشهد وقد وصلت الرسالة.
نحن لا نحتاج إلى إلغاء التطور، ولا إلى إعادة كل تفاصيل الماضي كما كانت، لكننا بحاجة إلى ألا نفقد روح المناسبة ونحن نحاول تطوير شكلها.
فالتراث ليس مجرد لباس يُرتدى، ولا عرضة تؤدى، وإنما منظومة من السلوك والاختصار والهيبة واحترام المقام.
هل نريد مناسبة طويلة بالكلمات، أم مشهدًا قصيرًا يبقى في الذاكرة؟
فالهيبة لا تحتاج إلى ميكروفون بصوت عالٍ، والكرم لا يحتاج إلى ساعة من الحديث.
أخيراً:
ستصل الرسالة كاملة، دون أن نرهق المناسبة بالكلام.




