✍ صالح جراد الشهري
أصبح من اللافت أن بعض المحافظات والمدن تضم عددًا من الفرق الشعبية يفوق حاجتها الفعلية، حتى بات السؤال مشروعًا: هل نحن أمام حراك تراثي حقيقي، أم أمام تعدد في الأسماء فقط؟
التراث ليس سباقًا على تسجيل الأسماء، ولا منافسة على الظهور في المناسبات، ولا لوحة تُعلق عليها مسميات جديدة كلما اختلف شخصان أو اجتمع بضعة أفراد. فالتراث مسؤولية، والعمل فيه يجب أن يكون مشروعًا لحماية الهوية، لا مشروعًا لتكثير الكيانات.
المشهد اليوم يستحق وقفة صادقة. ففي المكان الواحد نجد فرقًا متعددة تؤدي اللون الشعبي نفسه، وتستهدف المناسبات نفسها، وتبحث عن الدعم نفسه، وتتنافس على المشاركات نفسها. والنتيجة ليست تنوعًا كما يظن البعض، بل تشتت للجهود، واستنزاف للإمكانات، وإضعاف لصوت التراث.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بشجاعة: ما القيمة التي يضيفها إنشاء فرقة جديدة إذا كانت ستكرر ما تقدمه الفرق القائمة؟
إذا كان الهدف خدمة التراث، فلماذا لا تتحد الجهود؟
وإذا كان الهدف حفظ الموروث، فلماذا يتفرق حُماته؟
أما إذا كان الهدف مجرد رئاسة مجلس إدارة، أو الحصول على دعوات ومشاركات، أو صناعة اسم جديد، فهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
إن التراث أكبر من الطموحات الشخصية، وأكبر من الخلافات، وأكبر من أن يتحول إلى كيانات صغيرة تتنافس فيما بينها، بينما تخسر المنطقة فرصة امتلاك كيان قوي يمثلها بصورة تليق بتاريخها.
المؤسف أن بعض الفرق تُولد قبل أن تحدد رسالتها، وتبحث عن المشاركات قبل أن تبني برامجها، وتركز على الظهور أكثر من تركيزها على توثيق الفنون الشعبية، وتدريب الجيل الجديد، وصناعة مشروع ثقافي مستدام.
إن كثرة الفرق ليست دليلًا على ازدهار التراث، تمامًا كما أن كثرة الجمعيات لا تعني نجاح العمل الاجتماعي. المعيار الحقيقي هو الأثر، لا العدد.
هل قدمت هذه الفرق أعمالًا توثيقية؟
هل خرجت بجيل جديد من المؤدين والباحثين؟
هل صنعت مهرجانًا نوعيًا أو مشروعًا وطنيًا يخدم الموروث؟
أم أن معظم الجهد يُستهلك في تكرار المشهد نفسه، مع اختلاف اسم الفرقة فقط؟
إن التراث السعودي اليوم يحظى باهتمام غير مسبوق، وهذا يستوجب أن تكون الكيانات التراثية على مستوى هذه المرحلة، لا أن تبقى أسيرة التشتت والتكرار.
لسنا بحاجة إلى عشر فرق متفرقة في مدينة واحدة، بقدر حاجتنا إلى كيان قوي، يجمع الخبرات، ويوحد الإمكانات، ويقدم نموذجًا يليق بتاريخ المنطقة، ويكون قادرًا على المنافسة محليًا ودوليًا.
لقد آن الأوان لأن نراجع هذا المشهد بصدق. فالموروث الشعبي لا يحتاج إلى مزيد من اللافتات، بل إلى مزيد من العمل المؤسسي، وإلى شجاعة في تجاوز الخلافات، وإيمان بأن التراث لا يُحفظ بتكثير الأسماء، بل بتوحيد الجهود.
فالتراث لا يضعفه قلة الفرق… وإنما يضعفه تفرقها.




