✍ صالح جراد الشهري
هناك خطأ يتكرر في مشهدنا الثقافي، حتى أصبح وكأنه قاعدة ثابتة؛ نحتفي بالأسماء بعد غيابها، ونؤجل الوفاء حتى يصبح التكريم مرثية.
ومن بين الأسماء التي لا يجوز أن تُترك رهينة النسيان، يبرز اسم الأديب الحفظي شارع الشهري، أحد أبناء محافظة المجاردة، الذي لم يكن مجرد شاعر يكتب القصيدة، بل كان مشروعًا ثقافيًا حمل همَّ الكلمة، وأسهم في ترسيخ الحراك الأدبي، وشارك في صياغة أعمال وطنية بقي صداها في ذاكرة المناسبات الكبرى.
لم يكن حضوره محصورًا في الأمسيات الأدبية، بل امتد إلى الأوبريتات الوطنية التي قُدمت على مستوى المملكة، مسهمًا في صناعة الكلمة التي خاطبت الوطن، ورسخت قيم الانتماء والولاء، في وقت كانت فيه الكلمة الوطنية مسؤولية قبل أن تكون نصًا أدبيًا.
كما كان أمينًا للجنة الثقافية بالمجاردة التابعة لنادي أبها الأدبي، وأسهم في تنشيط الحركة الثقافية، وفتح المنابر للمثقفين، ودعم الحراك الأدبي في المحافظة، مؤمنًا بأن الثقافة ليست نشاطًا موسميًا، بل مشروع بناء مستمر.
ومع ذلك، يبقى السؤال المؤلم: أين هو اليوم في ذاكرة المؤسسات الثقافية؟
كيف يمكن أن يُحتفى بأسماء صنعت حضورها في سنوات قليلة، بينما تتراجع أسماء أمضت عقودًا في خدمة الأدب والثقافة والوطن؟
إن تكريم الحفظي شارع الشهري ليس تكريمًا لشخصه وحده، بل هو تكريم لمرحلة كاملة من تاريخ الحركة الأدبية في عسير، ورسالة تقول إن الوطن لا ينسى أبناءه الذين خدموه بالكلمة والموقف والعمل.
المؤسف أن بعض المبدعين يقضون أعمارهم في صناعة المشهد الثقافي، ثم يجدون أنفسهم خارج دائرة الاهتمام، بينما تتسابق المنصات لتقديم الأضواء لمن لم يتركوا أثرًا يوازي ما تركه الرواد. إن هذا الخلل لا ينتقص من قيمة الرواد، لكنه يطرح تساؤلًا مشروعًا حول معايير الاحتفاء والتقدير.
إن محافظة المجاردة، ومنطقة عسير، والوسط الثقافي السعودي، مدعوون اليوم إلى رد جزء من الجميل لهذا الاسم. ليس من خلال كلمات الإشادة فقط، بل عبر مبادرة تليق بعطائه: ملتقى أدبي يحمل اسمه، أو أمسية تستعرض تجربته، أو إصدار يجمع نتاجه، أو تكريم رسمي يوثق مسيرته للأجيال القادمة.
فالقامات الأدبية لا تُقاس بعدد الصور، ولا بعدد المتابعين، بل بما تركته من أثر في الوجدان والثقافة. والحفظي شارع الشهري ترك أثرًا يستحق أن يُروى، وأن يُحفظ، وأن يُكرَّم.
إن الأمم التي تحترم تاريخها الثقافي لا تؤجل الوفاء، ولا تجعل المبدع ينتظر حتى يتحول إلى ذكرى. فتكريم الرواد وهم بيننا ليس منحة، بل واجب ثقافي وأخلاقي.
الحفظي شارع الشهري ليس اسمًا من الماضي، بل قيمة أدبية ووطنية تستحق أن تكون حاضرة في ذاكرة الوطن… وأن يُقال لها: شكرًا، قبل أن يفوت أوان الشكر.




