✍ صالح جراد الشهري
أخطر ما يمكن أن يصيب أي شخصية اعتبارية ليس ضعف الإمكانات، بل تضخم الصورة حتى تصبح أكبر من الحقيقة. فهناك مؤسسات لم تعد تُسوِّق لإنجازاتها، بل تُسوِّق لنفسها وكأنها الإنجاز ذاته.
كل خبر فيها “تاريخي”، وكل نشاط “استثنائي”، وكل اجتماع “نقلة نوعية”، وكل مناسبة “إنجاز غير مسبوق”. أما الواقع، فيقف حائرًا يبحث عن هذا الإنجاز فلا يجد سوى سيلٍ من البيانات، والتصاميم، والتصفيق المتبادل.
لقد تحول الإعلام لدى بعض الجهات من نافذة لعرض المنجز إلى مصنع لتضخيم الصورة. وأصبح الهدف هو احتلال المشهد، لا صناعة الأثر. فالمنصات تمتلئ بالأخبار، بينما الحصيلة على الأرض لا تكاد توازي حجم هذا الضجيج.
الأسوأ من ذلك أن بعض الشخصيات الاعتبارية أصبحت أسيرة لفكرة الظهور الدائم، حتى باتت تقيس نجاحها بعدد المنشورات، لا بعدد الإنجازات، وبعدد مرات تداول اسمها، لا بحجم ما قدمته للمجتمع. وكأن الشهرة أصبحت مشروعًا، والإنجاز مجرد تفصيل ثانوي.
هذه ليست قوة إعلامية، بل تضخم إعلامي. والتضخم، مهما بدا لافتًا، ينتهي بانفجار يفقد معه الناس ثقتهم بكل ما يُقال. فالجمهور قد ينجذب إلى الضجيج مرة، لكنه لن يستمر في تصديق رواية لا يراها على أرض الواقع.
المؤسسات الواثقة لا تصرخ لتثبت وجودها، ولا تلاحق الأضواء في كل مناسبة. هي تعمل أولًا، ثم تتحدث عندما يكون لديها ما يستحق الحديث عنه. أما المؤسسة التي تجعل التسويق بديلًا عن الإنجاز، فهي تبني صورة على أرض رخوة، لا تحتاج إلا إلى اختبار واحد حتى تتصدع.
إن المبالغة في التسويق ليست دليل نجاح، بل قد تكون في كثير من الأحيان محاولة لإخفاء فراغ الإنجاز. فالعمل الحقيقي يفرض نفسه، أما الإنجاز المصنوع بالكلمات فلا يعيش طويلًا.
ولعل أكبر خطأ ترتكبه أي شخصية اعتبارية هو أن تصدق الصورة التي رسمها لها فريقها الإعلامي. فعندما تعيش المؤسسة داخل فقاعة من المديح والتصفيق، تتوقف عن رؤية أخطائها، وتفقد القدرة على التطور، لأنها تظن أنها بلغت القمة بينما هي لم تغادر نقطة البداية.
في النهاية، لا يحاكم التاريخ عدد البيانات الصحفية، ولا كثافة الحملات الإعلامية، ولا حجم الشعارات. التاريخ لا يعترف إلا بالأثر. وما عدا ذلك ليس سوى ضجيج مؤقت… يخفت مع أول اختبار للحقيقة.




