المقالات

المنصب ..حين يُعمّر باسم أحدهم

أ. صالح جراد الشهري 

زاهد في المنصب يكتب : ليست المشكلة في أن ينجح مسؤول في موقعه، بل في أن يقتنع أن النجاح يمنحه حق البقاء إلى ما لا نهاية. فالمنصب ليس إرثًا عائليًا، ولا صك ملكية، ولا امتيازًا دائمًا، بل مسؤولية مؤقتة تُمنح لمن يخدم المؤسسة، لا لمن يجعل المؤسسة تدور حوله.

المؤسف أن بعض المسؤولين يرفضون مغادرة المشهد، ويتعاملون مع مواقعهم وكأنها حق مكتسب، فيغلقون الأبواب أمام الكفاءات، ويحتكرون القرار، ويجمعون أكثر من منصب، وكأن الوطن أصبح يعاني من فقر في العقول، أو أن الكفاءة توقفت عند أسمائهم.

كيف يمكن لمؤسسة أن تتطور إذا بقيت الوجوه ذاتها لعشرات السنين؟ وكيف سيكتسب الشباب الخبرة إذا كانت الفرصة لا تُمنح إلا بعد أن يشيب الرأس؟ إن الحديث المستمر عن تمكين الشباب يفقد معناه عندما تصطدم الكفاءات بجدار من الأسماء التي لا تغادر، مهما تغير الزمن وتبدلت احتياجات العمل.

القائد الحقيقي لا يخشى أن يبرز من حوله، بل يصنع قادةً يتفوقون عليه. أما من يخشى المنافسة، ويُقصي أصحاب الأفكار الجديدة، ويحتكر المسؤوليات، فإنه لا يحمي المؤسسة، بل يحرمها من التجديد، ويؤجل مستقبلها.

إن جمع المناصب في يد شخص واحد ليس دليلًا على الكفاءة، بل قد يكون دليلًا على ضعف التخطيط، وغياب إعداد القيادات، وخلل في توزيع المسؤوليات. والمؤسسات الناجحة لا تُدار بالأشخاص، بل بالأنظمة، ولا تنهض بالولاء للأفراد، بل بالكفاءة والاستحقاق.

الشباب اليوم لا يطالبون بمنصب هدية، ولا يسعون إلى تجاوز أصحاب الخبرة، بل يطالبون بفرصة عادلة يثبتون فيها قدراتهم. فمن غير المنطقي أن يُطلب منهم الإبداع، ثم تُغلق أمامهم كل الأبواب، وأن يُقال لهم: “أنتم قادة المستقبل”، بينما المستقبل لا يأتي أبدًا.

إن أكبر خسارة لأي مؤسسة ليست في رحيل مسؤول، بل في رحيل المبدعين بصمت، بعد أن فقدوا الأمل في الحصول على فرصة. فالعقول حين تُهمَّش، لا تنتظر طويلًا، بل تبحث عن مكان يقدّرها ويمنحها المساحة التي تستحقها.

الوطن لا يحتاج إلى مسؤولين يتمسكون بالكراسي، بل إلى قيادات تؤمن بأن تداول المسؤولية قوة لا ضعف، وأن صناعة الصف الثاني إنجاز لا يقل أهمية عن أي مشروع أو قرار. فالمنصب يكتسب قيمته بما يقدمه صاحبه، لا بعدد السنوات التي يقضيها فيه.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن تطرحه كل مؤسسة على نفسها: هل نُعد قادةً للمستقبل، أم نحرس مقاعد الماضي؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كانت المؤسسة تسير نحو التجديد، أم تكتفي بتكرار نفسها عامًا بعد عام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى