المقالات

خلف كل كبرياء انكسار

أ.خديجة إبراهيم العسيري

 

ليس كل من بدا قويًا كان كذلك منذ البداية، فبعض القوة وُلدت من رحم الألم، وبعض الكبرياء تشكّل من بقايا انكسارات لم يلتفت إليها أحد. فخلف كل كبرياء قصة صامتة، وخلف كل نظرة ثابتة دمعة أُجبرت على التراجع، وخلف كل ابتسامة هادئة معركة خاضها صاحبها وحده دون أن يشعر بها الآخرون.

هناك أشخاص لم يختاروا الكبرياء ترفًا أو تعاليًا، بل اختاروه حين ضاقت بهم الطرق، وحين أدركوا أن الشكوى لا تعيد ما ضاع، وأن العتاب لا يرمم القلوب المكسورة. فارتدوا ثوب الكبرياء ليخفوا هشاشة أرواحهم، وليحموا ما تبقى من كرامتهم بعد أن أنهكتها الخيبات.

كم من شخصٍ تعلم الصمت بعد أن أثقلته الكلمات، وتعلم الرحيل بعد أن استنزفته المحاولات، وتعلم الاكتفاء بنفسه بعد أن خذلته الوجوه التي ظنها يومًا ملاذًا آمنًا. لم يكن متكبرًا كما ظن البعض، بل كان يحمل في داخله جرحًا علّمه أن لا يمد يده لكل عابر، وأن لا يكشف أوجاعه لكل مستمع.

الانكسار لا يُرى دائمًا، فبعض الجروح تسكن الأعماق، لا تترك أثرًا على الملامح، لكنها تغيّر الإنسان بأكمله. تجعله أكثر حذرًا، أقل حديثًا، وأكثر تمسكًا بكرامته. ومن هنا يولد الكبرياء؛ ليس رفضًا للآخرين، بل خوفًا من تكرار الألم ذاته.

ومهما بدا الإنسان شامخًا، يبقى في داخله جزء صغير يتمنى أن يجد من يفهمه دون شرح، ويقدّره دون طلب، ويحتضن ضعفه دون أن ينتقص من قيمته. فالقلب الذي عرف الانكسار لا يبحث عن الشفقة، بل يبحث عن الأمان.

لذلك لا تتعجل في الحكم على أصحاب الكبرياء، فقد تكون وراء هدوئهم عواصف لم تهدأ، ووراء صمتهم حكايات مؤلمة، ووراء تماسكهم أرواح أرهقتها الحياة. وتذكر دائمًا أن بعض الناس لا يرفعهم الكبرياء فوق الآخرين، بل يرفعهم فوق أوجاعهم كي لا يسقطوا مرة أخرى.

فخلف كل كبرياء انكسار… وخلف كل انكسار إنسان يحاول أن يبقى واقفًا رغم كل ما مرّ به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى