✍ صالح جراد الشهري
عرفتُ الصحفي الكبير حسن محني الشهري في لقاء نظمته اللجنة الثقافية بمحافظة المجاردة، في مرحلة متقدمة من تجربته الصحفية، فوجدت أمامي رجلًا لم تعد الصحافة بالنسبة إليه مجرد مهنة يمارسها، بل تجربة عمر تحولت إلى معرفة، وإلى توجيه، وإلى رغبة صادقة في أن ينقل ما تعلمه للأجيال الجديدة.
كان حضوره في ذلك اللقاء لافتًا؛ هادئًا، عميقًا، بعيدًا عن الاستعراض. تحدث بعقلية الصحفي الذي عاش المهنة من داخلها، وعرف تفاصيلها وتحولاتها، ولذلك بدا أقرب إلى المعلم والموجّه منه إلى الضيف الذي يستعيد ذكرياته.
مسيرة طويلة في بلاط الصحافة
لم تكن تجربة حسن محني الشهري قصيرة أو عابرة. فقد بدأت علاقته بالصحافة في سن مبكرة، وراسل الصحف والمجلات منذ المرحلة المتوسطة، قبل أن يتفرغ للعمل الصحفي عام 1400هـ. وخلال مسيرته الممتدة لنحو خمسة عقود، تنقل بين عدد من أبرز الصحف السعودية، من بينها الندوة، وعكاظ، والمدينة، والجزيرة، والوطن، والرياض، وتولى مواقع تحريرية وإدارية وقيادية في عدد من المؤسسات الصحفية.
هذه المسيرة تكشف صحفيًا لم يكتفِ بالكتابة، وإنما عرف الميدان، والتحرير، وإدارة المكاتب، والحوارات، والمتابعة، والتعامل مع الشخصيات والأحداث.
بدأ من الصحافة الرياضية، ثم اتسعت تجربته لتشمل الشأن الثقافي والاجتماعي والعام، فكان حاضرًا في أكثر من مساحة إعلامية، مستفيدًا من خلفيته الأدبية والثقافية؛ إذ كان أيضًا شاعرًا وكاتبًا ومؤلفًا.
ولعل هذا التنوع هو أحد أسرار قيمته المهنية؛ فالصحفي الذي يقرأ المشهد من أكثر من زاوية، ويملك أدوات اللغة والثقافة، يستطيع أن يرى في الحدث ما يتجاوز الخبر العابر.
صحافة تقوم على الإنسان
في تجربة حسن محني الشهري، لم تكن الصحافة مجرد سباق خلف العناوين. كانت المهنة بالنسبة إليه قائمة على السؤال، والمتابعة، والإنصات، والاقتراب من الناس.
وهذه قيم تبدو اليوم أكثر أهمية، في زمن أصبح فيه نشر الخبر أسرع من التحقق منه، وأصبح بإمكان أي شخص أن يمارس النشر، بينما تبقى الصحافة المهنية بحاجة إلى صحفي يعرف مسؤولية الكلمة وأثرها.
ومن هنا تأتي أهمية استعادة تجربة أمثال حسن محني الشهري؛ لأن الأجيال الجديدة تستطيع أن تتعلم من سيرتهم ما لا تمنحه الأدوات الرقمية وحدها.
اللقاء الذي بقي في الذاكرة
أما معرفتي الشخصية به، فجاءت في أواخر تجربته الصحفية، لكنني أعتقد أنني التقيته في واحدة من أجمل مراحل الصحفي: مرحلة النضج.
في تلك المرحلة لا يعود الصحفي مشغولًا بإثبات نفسه، وإنما يصبح أكثر اهتمامًا بنقل خلاصة تجربته.
وهذا ما شعرت به في لقائنا؛ كان يتحدث بروح المعلّم، ويقدم تجربته باعتبارها درسًا يمكن للآخرين الاستفادة منه.
رحل حسن محني الشهري في أغسطس 2021، لكن رحيل الصحفي لا يعني انتهاء حضوره؛ فالصحفي الحقيقي يبقى في أرشيفه، وكتاباته، وحواراته، وذاكرة زملائه، وفي كل من تعلم منه.
لقد كان حسن محني الشهري جزءًا من ذاكرة الصحافة السعودية، وقيمة تجربته لا تختصرها المناصب التي شغلها ولا الصحف التي عمل بها، بل تكمن في الأثر الذي تركه في المهنة ومن عرفوه.
عرفته في أواخر مشواره، فوجدت أن السنوات لم تُبعده عن الصحافة؛ بل منحته خلاصة الصحافة. ومن هنا بقي في ذاكرتي صحفيًا كبيرًا، ومعلمًا، وموجّهًا، ورجلًا ترك للمهنة أكثر مما أخذ منها




