المقالات

حين تعيد الخطبة ترتيب القيم والهوية

الكاتب : أ. أحمد علي عسيري

خطب الشيخ الدكتور صالح بن حميد خطيب المسجد الحرام الجمعة التي مضت خطبة لامست شغاف القلوب وأيقظت في النفوس معاني كانت توشك أن تخفت تحت ضجيج العصر ومايحمله من كثرة المغريات الفكرية والأخلاقية التي تضعف الثوابت وسأذكر فقط بعض مما ذكر فقد جاء حديثه حديثَ المربي الغيور والعالم المشفق الذي لا يكتفي بتشخيص الداء بل يدلّ على الدواء ويعيد ترتيب الأوليات

فقد استهل خطبته بتذكيرٍ عميق بأصلٍ من أصول تزكية النفوس وبناء الإنسان حين دعا إلى “تعويد الألسن على طلب المغفرة ” فهي تجديد للصلة به في زمن كثرت فيه الغفلة وقلّ فيه الوقوف مع النفس

ثم أوصى ” بإحسان معاملة الناس بما نراه منهم لا بما نسمعه عنهم ” إذ يدعو إلى حفظ قلوبنا من سوء الظن وصيانة المجتمع من تناقل الشائعات وبناء الأحكام على الأقاويل فكم من قلوب أفسدها السمع وكم من علاقات هدمتها الكلمة المنقولة

عقب ذلك نداء ًواضحًا صادقًا :  “علِّموا أبناءكم مكارم الأخلاق والتقاليد الحميدة “

فهي ليست ترفًا تربويًا ولا خيارًا ثانويًا وكأنه يشير إلى أنّها السور الحامي للدين والدرع الذي يصون الهوية حين تتكاثر الفتن وتتشابك المؤثرات فالأخلاق ليست كلمات تُلقَّن بل سلوك يُعاش وقدوة تُرى فحين ينشأ الأبناء على الصدق والأمانة والحياء واحترام الكبير ورحمة الصغير فإنهم يحملون دينهم في أفعالهم قبل أقوالهم ويكونون سفراء له في كل موطن

ثم انتقل في خطبته إلى اللغة العربية هذه اللغة التي ليست مجرد أداة تخاطب بل وعاء الوحي ولسان القرآن وجسر الفهم العميق للدين والتاريخ والحضارة فالاعتزاز بها وتعليمها للأبناء هو اعتزاز بالأمة كلها لأن اللغة إذا ضعفت ضعفت معها المفاهيم، وتشوّهت الهوية وانفصمت الصلة بالجذور

فلغتنا العربية قوة ناعمة وأصالة راسخة ومن حفظها في بيته حفظ على أبنائه انتماءهم ووضوحهم وثباتهم.

وجاء الحديث أيضًا عن الرجولة حديثًا يزيل عنها الزيف الذي علق بها في زمن اختلطت فيه المعايير فالرجولة كما صوّرها الشيخ

ليست مظهرًا ولا ادعاءً بل هي كما ذكر ” تبرؤ من النقائض وتأنف المذمات ” وهي موقف قبل أن تكون صفة ومسؤولية قبل أن تكون لقبًا فالرجولة أن تتحمل أعباء الحياة المادية بكرامة، وتنهض بالمسؤوليات الأخلاقية بوعي وخشية ، رجولة تعي أن القوامة تكليف لا تشريف وأن القوة الحقة هي في ضبط النفس والوفاء بالعهود وحماية القيم والقيام بالواجب ولو في الخفاء.

لقد كانت الخطبة تذكيرًا بأن بناء الإنسان يبدأ من داخله وأن الأمم لا تنهض بكثرة الموارد وحدها بل بصدق المبادئ وصلابة الأخلاق ووضوح الهوية لذا فهي رسالة للآباء والأمهات وللمربين والدعاة بل لكل فرد: أن نعود إلى الأساس، وأن نغرس في الجيل القادم ما يبقى حين يزول كل عارض

فما أحوجنا إلى هذا الصوت الهادئ العميق الذي يذكّرنا عندما نتناسى ويوقظنا عند الغفلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى