—————————————
بقلم :أ. مصهف علي عسيري
—————————————
يكثر التساؤل في الحياة اليومية عن سبب تراجع الاحترام في العلاقات الإنسانية، سواء في محيط العمل أو المجتمع أو حتى داخل الدوائر القريبة. وغالبًا ما يُوجَّه السؤال إلى الخارج: لماذا لا يحترمني الآخرون؟ غير أن السؤال الأجدر بالتوقف عنده هو: كيف أتعامل أنا مع نفسي، وكيف أقدّمها للآخرين؟
الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن الاحترام لا يُنتزع بالمطالبة، ولا يُكتسب برفع الصوت أو كثرة التبرير، بل يتشكّل بهدوء من الداخل. فالناس، في مجملهم، لا يملكون الوقت ولا الرغبة في قراءة النوايا أو تفكيك المشاعر؛ هم يلتقطون إشارات واضحة: حدودك، موقفك من نفسك، وقدرتك على الوقوف عند ما يليق بك.
حين يتجاوز الإنسان حدوده مع ذاته، ويُفرط في التنازل، ويصمت عن حقه باسم الطيبة أو المجاملة، فإنه يرسل رسالة غير مباشرة للآخرين مفادها أن المساحة مفتوحة للتجاوز. عندها لا يكون نقص الاحترام سببه قلة تقدير الآخرين، بل غياب الحزم الداخلي الذي يرسم الخط الفاصل بين الكرم والاستباحة.
في المقابل، فإن احترام الذات لا يعني التعالي أو القسوة، بل يعني وضوحًا صادقًا مع النفس. أن يعرف الإنسان متى يعطي، ومتى يتوقف، ومتى يقول «لا» دون شعور بالذنب. فالشخص الذي يحترم وقته، ويحمي كرامته، ولا يبرر وجوده للآخرين، يفرض احترامه دون صدام أو استعراض.
ومن المهم الإشارة إلى أن تقدير الآخرين ليس هبةً تُمنح اعتباطًا، بل هو انعكاس مباشر للطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه. فمن يقف عند حدوده، يُجبر من حوله ـ بوعي أو دون وعي ـ على الوقوف عندها. أما من يتهاون في شأن ذاته، فغالبًا ما يكتشف أن الآخرين يفعلون الشيء نفسه.
إن احترام الذات ليس شعارًا يُرفع، بل ممارسة يومية تبدأ من الداخل وتنعكس على الخارج. وحين يدرك الإنسان هذه المعادلة البسيطة، تتغيّر علاقاته، لا لأن الناس تغيّروا، بل لأنه أعاد تعريف نفسه أمامهم.
حين تحترم نفسك… يحترمك الآخرون
ليست هذه جملة تحفيزية عابرة، بل قاعدة إنسانية أثبتتها التجربة، وأكدتها الحياة مرارًا .




