المقالات

القوة كما يريدها المجتمع… لا كما يحتاجها الإنسان

 

الكاتبة : د.جمانة يحيى الهتّان

 

في الوعي الاجتماعي السائد، تُقدَّم القوة بوصفها قدرة دائمة على التماسك، وضبط المشاعر، والاستمرار في الإنجاز دون إظهار أثر للضغوط النفسية. ومع الوقت، تحوّل هذا التصور إلى معيار غير معلن للحكم على النضج والكفاءة، حتى أصبح الاعتراف بالتعب أو الحاجة للدعم يُفسَّر على أنه ضعف لا يليق بصورة “الناجح”.

غير أن هذا الفهم الشائع يعكس تصورًا ناقصًا لمفهوم القوة. فدراسات علم النفس الاجتماعي تشير إلى أن كبت المشاعر لا يُعد دليلًا على النضج الانفعالي، بل قد يكون استجابة دفاعية لضغط اجتماعي مستمر يُجبر الأفراد على تقديم صورة مثالية عن ذواتهم، على حساب صحتهم النفسية.

في البيئات التي تُكافئ الصلابة الظاهرية، يتعلم الإنسان إخفاء مشاعره وتأجيل احتياجاته النفسية خوفًا من الوصم أو التقليل. ومع تكرار هذا النمط، تتسع الفجوة بين ما يعيشه الفرد داخليًا وما يُسمح له بإظهاره علنًا، فتتحول القوة من قيمة إنسانية متزنة إلى عبء نفسي صامت.

وتؤكد الدراسات النفسية الحديثة أن الوعي الانفعالي:
أي القدرة على إدراك المشاعر وفهمها وتنظيمها يُعد من أبرز مؤشرات القوة الداخلية الحقيقية فالإنسان الواعي بمشاعره أكثر ثباتًا، وأقدر على الاستمرار، ولا يتعارض هذا الوعي مع الإنجاز أو المسؤولية، بل يعزّز الاستقرار النفسي ويحد من الاحتراق النفسي والعاطفي والوظيفي

القوة في معناها الأعمق، لا تكمن في إنكار التعب أو تجاهله، بل في التعامل الواعي معه، وفي امتلاك الشجاعة النفسية للاعتراف بالضغط دون فقدان الاتزان أو الالتزام. فالقوة ليست صمتًا دائمًا، ولا تماسكًا قسرياً بل قدرة على الفهم وإعادة التوازن.

إن إعادة تعريف القوة الاجتماعية بما يوازن بين متطلبات الإنجاز واحتياجات الإنسان النفسية تمثل خطوة ضرورية لبناء بيئات أكثر صحة، تُقدّر الصدق، وتحترم الإنسان بواقعه، وتدرك أن القوة المستدامة تبدأ من الداخل، لا من الصورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى