————————————
بقلم : مصهف بن علي عسيري
————————————-
في زمنٍ صار فيه الصوت أعلى من المعنى، تتكدّس الآراء كما تتكدّس الإشعارات على شاشةٍ لا تعرف السكون. كلُّ أحدٍ يتكلم، قليلٌ من يُنصت، وأقلُّ من يملك شجاعة الفهم. نخلط بين كثرة القول وعمق الرؤية، فنحسب الضجيج معرفة، ونحسب السرعة حكمة، وننسى أن المعنى لا يُولد في العجلة.
الآراء تُقال بسهولة؛ الفهم يُولد ببطء.
الرأي شرارةٌ عابرة، أمّا الفهم فنارٌ تحتاج حطب الصبر وهواء التأمل.
الرأي يقفز إلى النتائج، والفهم يمشي حافيًا مع الأسئلة.
الرأي يُحبّ التصفيق، والفهم يرضى بصمتٍ ثقيل… لكنه صادق.
كم من فكرةٍ وُئدت لا لأنها خاطئة، بل لأنها وُلدت في سوقٍ يعجّ بالصراخ. وكم من حقيقةٍ تأخّرت لأن الفهم كان يجلس في زاويةٍ هادئة، يُرمّم الأسئلة قبل أن ينطق بالأجوبة. في الضجيج، تُختصر القضايا إلى شعارات؛ وفي الصمت، تُستعاد كرامة المعنى، وتُصان إنسانية الاختلاف.
الفهم لا يُخاصم الآراء، بل يُنقّيها.
لا يخشى التعدّد، بل يُهذّبه.
هو شجاعة التوقّف قبل الحكم، وفضيلة السؤال قبل الاصطفاف، وأن تقول: «لا أدري» دون خجل، وأن تُصغي حين يُغريك الكلام.
لعلّ خلاصنا ليس في إسكات الأصوات، بل في إنعاش تلك المساحات الهادئة داخلنا؛ حيث يتنفّس الفهم بعيدًا عن الضجيج. فحين يهدأ الصخب قليلًا، نسمع أخيرًا ذلك الصوت الخافت… صوت الفهم، وهو وحده القادر أن يمنح الآراء روحًا، ويعيد للإنسان معناه .




