المقالات

ازدحام الحياة… وفراغ الداخل

—————————————
✍🏻بقلم : أ.مصهف علي عسيري

في هذا العصر، لم يعد الازدحام مجرد حالة مرورية تختنق فيها الطرق، بل أصبح حالة إنسانية شاملة… ازدحام في الوقت، في المهام، في العلاقات، في الأصوات، في الإشعارات التي لا تهدأ. نركض كثيرًا، ننجز كثيرًا، نلتقي بالكثيرين… ومع ذلك، حين نخلُو إلى أنفسنا، نكتشف فراغًا لا يُفسَّر بسهولة.

كيف يمكن لإنسانٍ يملك كل هذه التفاصيل أن يشعر بهذا القدر من الخواء؟
المشكلة ليست في كثرة ما نملك… بل في قلّة ما نعيش.نحن لا نعاني من نقص في الوسائل، بل من انقطاع في المعنى. صارت حياتنا ممتلئة من الخارج، لكنها مفرغة من الداخل. نملأ أيامنا بالأعمال، لكننا ننسى أن نملأ أرواحنا بالسكينة. نُتقن إدارة الوقت، لكننا نفشل أحيانًا في إدارة الشعور.

لقد تحوّل الإنسان المعاصر إلى كائنٍ يُجيد “الانشغال”، لكنه لا يُجيد “الحضور”.نكون في المجالس، لكن عقولنا في مكانٍ آخر. نُمسك بأجهزتنا أكثر مما نُمسك بقلوب من نحب. نعيش اللحظة عبر عدسة، لا عبر إحساس. وهكذا… تتراكم اللحظات دون أن تتحول إلى حياة.

الازدحام لا يرهق الجسد فقط، بل يُربك الروح.
حين تتزاحم الأولويات، تضيع البوصلة. وحين تتكاثر الخيارات، يتراجع اليقين. نلهث خلف الإنجاز، وننسى أن نسأل: لماذا ننجز؟ نركض نحو أهدافٍ رسمها الآخرون، وننسى أن نُصغي لما تريده أعماقنا حقًا.

وهنا يبدأ الفراغ…ليس فراغ الوقت، بل فراغ المعنى.ليس الناس، بل غياب الشعور.
ليس قلة الإنجاز، بل غياب الرضا.

الفراغ الداخلي لا يُملأ بالمزيد من الأشياء، بل بالمزيد من الصدق مع النفس.لا يُعالج بكثرة العلاقات، بل بعمقها.ولا يُردم بالضجيج، بل بالهدوء.

نحتاج أحيانًا أن نتوقف… لا عن العمل، بل عن الهروب.أن نجلس مع أنفسنا دون وسيط، دون شاشة، دون تزييف. أن نسأل الأسئلة التي نخافها:
هل أنا أعيش كما أريد… أم كما يُراد لي؟
هل ما أفعله يُشبهني… أم يُشبه الصورة التي أحاول أن أبدو عليها؟

الإنسان لا يضيع فجأة، بل يبتعد عن نفسه تدريجيًا… حتى يصبح غريبًا عنها.ًوأسوأ أشكال الغربة، أن تكون مزدحمًا بكل شيء… إلا بنفسك.

ربما لا نحتاج إلى المزيد من الوقت، بل إلى وعيٍ مختلف به.لا نحتاج إلى تقليل عدد المهام فقط، بل إلى إعادة تعريف ما يستحق أن نمنحه من أعمارنا.لا نحتاج إلى عالمٍ أبطأ… بل إلى قلوبٍ أكثر حضورًا.

في النهاية،ليست الحياة بما نملأ به جداولنا… بل بما نملأ به أرواحنا.وليست المشكلة أن نعيش حياةً مزدحمة…
بل أن نعيشها دون أن نشعر بها .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى