المقالات

*تفرّق الأصحاب… حين يصبح الدفترُ ذكرى*

✍🏻بقلم : أ.شار ابراهيم آل عمر

في زاويةٍ من ذاكرتنا، هناك صورةٌ جماعيةٌ باهتة الألوان. وجوهٌ ضاحكة، أكتافٌ متلاصقة، ووعودٌ طائشة تقول: “ما نتفرق أبد”. كنا نؤمن أن الصداقة حصنٌ لا تسقطه الأيام. ثم جاءت الأيام، وأثبتت أنها لا تهدم الحصن، بل تغيّر الطرق المؤدية إليه.

الصداقة في الطفولة بسيطة: تجمعنا حارة، مدرسة، وفريق كرة في الشارع. لا مواعيد، لا التزامات، لا فواتير.

ثم نكبر. فجأة يصبح لكل واحد منا “حياة”: وظيفة في مدينة أخرى، زواج، أطفال، دوام شفتات، وهمّ و أشغال و التزامات

تفرقنا ليس خيانة للعهد، بل انتصارٌ للواقع. كل واحد حمل حقيبته ومشى في الطريق الذي كتبته له الأيام.

أقسى أنواع التفرق ليس السفر، بل “البرود التدريجي”.

رسالة “وينك مختفي” تُقابل بـ “مشغول والله”.

المكالمة تتحول إلى “نشوفك إذا فضيت”.

ثم نصمت. ليس كرهاً، بل لأننا نضجنا لدرجة أننا صرنا نخجل من إزعاج بعض. نخاف نكون ثقل على شخص يواجه معركته الخاصة بصمت.

صرنا نعرف أن صاحبنا تزوج، توظف، سافر… من ستوري 15 ثانية. نضع “قلب” ونكمل تقليب.

راحت جلسات الاستراحة و الديوانية الطويلة، وجات “اللايكات” الباردة.

نحن نظن أننا “متواصلون” لأننا نرى بعض، لكننا في الحقيقة صرنا “مشاهدين” لحياة بعض، لا مشاركين فيها.

بعض الأصحاب كانوا “مرحلة”. جاؤوا ليعلّموك درساً، يضحكونك في أزمة، أو يسندونك سنة ثم يمضون. انتهاء دورهم لا يُلغي جمالهم.

المشكلة أننا نتعامل مع الصداقة بعقلية “الأبد”، بينما هي مثل الشجر: بعضه معمّر، وبعضه موسمي، وكلّه كان ظلاً يوماً ما.

*امتن بدل العتب*: بدل “ليه ما يسأل”، قل “الحمدلله أنه كان جزء من أجمل أيامي”.

*اترك الباب موارباً*: لا تحرق الجسور. رسالة “جيت على بالي” بعد 5 سنين قد تحيي ما ظنته مات.

*اصنع أصحاباً جدداً*: قلبك يتسع. أصحاب المرحلة لا يلغون أصحاب الماضي، هم إضافة.

*سامح نفسك*: أنت أيضاً قصرت. أنت أيضاً انشغلت. كلنا مذنبون، وكلنا ضحايا.

*الخلاصة: الأصحاب لا يموتون، بل يتوزعون*

تفرق الأصحاب يشبه تفرق النجوم في السماء. لا يعني أنهم انطفأوا، بل أن كل واحد منهم أخذ مداره الخاص.

وإذا كنت محظوظاً، في ليلة صافية، سترفع رأسك وتلتقي عينك بنجمة قديمة. ستتبسّم، لأنك تدرك أنها ما زالت هناك… حتى لو بعدت.

فاحتفظ بالصورة الباهتة. واحتفظ بالدفتر الذي كتبتم فيه “ما نتفرق”.

ليس لتؤلمك، بل لتتذكر أنك عشت صداقةً حقيقية يوماً ما. وهذا بحد ذاته، انتصار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى