———————————-
بقلم : مصهف بن علي عسيري
———————————-
في زمنٍ تتسارع فيه الخطى، وتزدحم فيه الأصوات، لم تعد الكلمة مجرّد حروفٍ تُقال… بل أصبحت قوةً تُبني بها النفوس أو تُهدم، وتُرفع بها المعنويات أو تُكسر. وبين هذا وذاك، يقف الإنسان في مفترقٍ دقيق:
إما أن يكون مصدر دعمٍ يُنبت الأمل، أو سببًا خفيًا في إجهاض حلمٍ لم يُولد بعد.
ليس كل الناس قادرين على التشجيع… هذه حقيقة. فالتشجيع وعيٌ، وذوقٌ، ونضجٌ إنساني، يتطلب قلبًا يرى الجمال في البدايات، لا الكمال في النهايات. لكن ما هو أخطر من العجز عن التشجيع، هو القدرة على التحطيم. تلك القدرة التي يمارسها البعض دون أن يشعر، بكلمةٍ عابرة، أو تعليقٍ ساخر، أو نظرةٍ تُحمّل المحاولة أكثر مما تحتمل.
كم من موهبةٍ وُئدت في مهدها… لا لأنها ضعيفة، بل لأنها لم تجد من يؤمن بها؟
وكم من فكرةٍ كان يمكن أن تُغيّر مسار صاحبها، لولا أنها صُدمت بعبارةٍ قاسيةٍ في لحظةٍ حرجة؟
إن الإبداع، في جوهره، حالةٌ إنسانيةٌ هشّة. يولد صغيرًا، خجولًا، يبحث عن نافذةٍ يطلّ منها على العالم. فإن وجد من يحتضنه، كبر. وإن وُوجه بالازدراء، انطفأ قبل أن يكتمل. وهنا تتجلّى مسؤولية المجتمع، لا بوصفه حاضنًا للنجاح فقط، بل بوصفه شريكًا في صناعته.
لسنا مطالبين جميعًا بأن نكون مشجعين محترفين، لكننا بلا شك مطالبون بأن نكون عادلين في أحكامنا، رفيقين في كلماتنا، حذرين من أن تتحوّل آراؤنا إلى معاول هدمٍ غير مقصودة. فالكلمة التي لا تُكلّف قائلها شيئًا، قد تُكلّف سامعها الكثير.
إن أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لغيره، ليس بالضرورة أن يدفعه إلى الأمام، بل أن يفسح له الطريق دون أن يعرقله. أن يترك له مساحة التجربة، وخطأ البدايات، ودهشة الاكتشاف. فليس من العدل أن نُحاسب البذرة لأنها لم تُثمر بعد، أو أن نلوم الغصن لأنه لم يشتد عوده.
العظمة الحقيقية… ليست في أن تُبدع وحدك، بل في أن تكون جزءًا من بيئةٍ تسمح للآخرين أن يُبدعوا. أن تُدرك أن لكل إنسانٍ رحلته الخاصة، وتوقيته المختلف، وطريقته الفريدة في الوصول.
وفي نهاية الأمر…
إن لم تكن قادرًا على أن تكون صوتًا يُشجّع،
فكن على الأقل صمتًا لا يُؤذي.
فالعالم لا يحتاج مزيدًا من المُحبطين،
بل يحتاج إلى إنسانٍ واحدٍ فقط… يقول: “أكمل… أنت قادر.




