✍🏻 أ. عائشة محمد البارقي
في كل عام، حين يحلّ 19 أغسطس، يحتفي العالم بفنٍّ لم يعد مجرد وسيلة لالتقاط المشهد، بل أصبح لغةً عالمية تتحدث بها الذاكرة، وتروي بها المشاعر، وتحفظ بها اللحظات التي نخشى أن يأخذها الزمن معه.
إنه اليوم العالمي للتصوير الفوتوغرافي؛ اليوم الذي نحتفي فيه بالصورة، وبمن يقف خلفها، وبالعين التي ترى ما قد لا يراه الآخرون.
التصوير ليس أن تضغط زر الكاميرا في اللحظة المناسبة فحسب؛ بل أن تمتلك القدرة على أن تقول بالكادر الواحد ما تعجز عنه صفحات من الكلمات.
فالصورة قد تحفظ ابتسامةً لم تعد تتكرر، ووجهًا غاب عن أعيننا، ومكانًا تغيّر، وطفولةً مرّت سريعًا، ويدًا أمسكت بيدنا ذات يوم، أو لحظةً عابرة لم نكن نعرف وقتها أنها ستصبح بعد سنوات واحدةً من أثمن ما نملك.
الصورة لا توقف الزمن… لكنها تمنحنا فرصةً للعودة إليه.
ومن هنا تأتي عظمة التصوير الفوتوغرافي؛ فهو لا يوثّق ما نراه فقط، بل يوثّق ما شعرنا به ونحن نراه.
المصور الحقيقي لا يبحث دائمًا عن المشهد الأكثر جمالًا، بل عن المعنى المختبئ خلفه. يرى الضوء قبل أن يصل إلى المكان، ويقرأ الظلال، ويلاحظ التفاصيل الصغيرة، ويعرف أن الجمال أحيانًا لا يحتاج إلى شيء سوى عينٍ تعرف كيف تراه.
وربما لهذا السبب تحديدًا أحببنا التصوير؛ لأن الكاميرا لا تمنحنا مجرد صورة، بل تمنحنا نسخةً من لحظة لن تعود كما كانت أبدًا.
في عالمٍ سريع يتغير كل شيء فيه خلال لحظات، أصبحت الصور أشبه بصناديق صغيرة نحفظ فيها أعمارنا.
صورة من مناسبة عائلية، صورة لبيتٍ قديم، صورة لصديق، صورة لمدينة أحببناها، صورة ليد طفل صغيرة، صورة لامرأة تبتسم دون أن تعرف أنها كانت في أجمل حالاتها…
كلها تبدو في لحظتها عادية، ثم يأتي الزمن ليخبرنا كم كانت ثمينة.
وللمصورين حكاية أخرى مع هذا اليوم.
نحن لا نلتقط الصور فقط، بل نمنح الآخرين فرصةً لأن يروا أنفسهم من زاوية مختلفة. نحتفظ لهم بأيامهم الجميلة، ونصنع لهم ذكرياتٍ قابلة لأن تعيش بعدهم بسنوات.
قد ينسى الإنسان تفاصيل يومه، وقد تتغير ملامحه، وقد تتبدل الأماكن، لكن صورة واحدة صادقة قادرة على أن تعيد إليه كل شيء دفعةً واحدة.
وهنا تكمن قوة الصورة.
أنها لا تحفظ الملامح وحدها، بل تحفظ الإحساس.
وفي اليوم العالمي للتصوير الفوتوغرافي، لا نحتفي بالكاميرات والعدسات والتقنيات فقط، بل نحتفي بكل عينٍ اختارت أن ترى الجمال، وبكل مصورٍ آمن بأن وراء كل لحظة حكاية، وبكل صورةٍ استطاعت أن تبقى حين مضى كل شيء.
كل عام والتصوير بخير.
كل عام وكل مصورٍ يرى العالم بطريقة مختلفة، ويمنح الآخرين شيئًا من هذه الرؤية.
كل عام وكل صورةٍ التُقطت بحب، ستبقى شاهدةً على لحظةٍ أحببناها ذات يوم.
وكل عام ونحن نؤمن أن أجمل الصور ليست تلك التي تبدو مثالية… بل تلك التي تجعل القلب يشعر بشيءٍ ما حين ينظر إليها.
فالتصوير في النهاية ليس مجرد فنٍّ لحفظ اللحظة…
إنه فنٌّ لإنقاذها من النسيان.




