المقالات

صالح القرني.. العندليب الذي جعل للمدرج صوتًا وذاكرة

✍🏻 صالح جراد الشهري

أحيانًا تحتاج إلى أن تستمع إلى الرجل بعيدًا عن المدرج، حتى تدرك أن ما كنت تسمعه في المدرج لم يكن مجرد صوت مرتفع وسط آلاف الأصوات.

وهذا ما شعرت به وأنا أستمع إلى صالح القرني، «العندليب»، في بودكاست «اتي كاست».

بعيدًا عن صخب المباريات، وعن الأعلام، والأهازيج، والهتافات، يظهر الرجل بصورة مختلفة؛ رجل يحمل في ذاكرته سنوات طويلة من العلاقة مع الاتحاد، ويستعيد تفاصيل مرحلة لم يكن فيها المدرج مجرد مكان يجلس فيه الجمهور، بل مساحة تُصنع فيها الهوية والانتماء والذكريات.

صالح القرني ليس مجرد رئيس رابطة جماهير مرّ على المدرج ثم غادره.

وهنا تكمن قيمة التجربة.

فالقيادة في المدرج ليست مجرد القدرة على رفع الصوت، وإنما القدرة على إدارة آلاف المشاعر في اتجاه واحد.

أن تجعل عشرات الآلاف يرددون جملة واحدة، ويتفاعلون مع لحن واحد، ويتحولون في لحظة إلى صوت واحد، فهذا عمل يحتاج إلى شخصية تعرف جمهورها، وتفهم مزاجه، وتعرف متى ترفع الحماس ومتى تهدئه.

والقرني أتقن هذه المسألة.

لكن ربما يكون الجانب الأكثر أهمية في تجربة صالح القرني بعيدًا عن الأهازيج نفسها.

إنه موقفه من التعصب.

الرجل الذي قاد واحدًا من أكثر المدرجات حماسًا في الكرة السعودية كان في الوقت نفسه من الداعين إلى نبذ التعصب الرياضي. وقد تحدث بوضوح عن ضرورة التزام روابط الأندية بالتنظيم، ورفض التجاوزات التي تزيد الاحتقان بين الجماهير، ودعا إلى تفعيل حملات التوعية ضد التعصب.

وهنا تظهر المفارقة الجميلة في تجربته:

يمكنك أن تكون اتحاديًا حتى آخر المدرج، وأن تهتف للاتحاد بكل ما تملك من صوت، دون أن تحتاج إلى كراهية المنافس.

يمكنك أن تقول:

«الإتي نمبر ون»

دون أن تقول إن الآخرين لا قيمة لهم.

وهذا هو الفارق بين الانتماء والتعصب.

ولعل هذه الفكرة تحديدًا تستحق أن تستعاد اليوم، في زمن أصبحت فيه بعض المدرجات ومنصات التواصل أكثر توترًا، وأصبح الانتصار لفريقك عند البعض مشروطًا بإسقاط الآخر.

صالح القرني قدم نموذجًا مختلفًا؛ نموذج المشجع الذي يدافع عن ناديه بحماس، لكنه يدرك أن الرياضة منافسة، وأن المدرج مهما بلغت حرارته لا ينبغي أن يتحول إلى مساحة للإساءة.

حتى في التفاصيل الصغيرة تظهر ملامح شخصية الرجل.

في إحدى الوقائع، كان بإمكانه أن يدخل الملعب باعتباره رئيس رابطة الاتحاد، لكنه أصر على استخدام تذكرته مثل بقية الجماهير، وقال بوضوح إن النظام فوق الجميع. قد تبدو المسألة بسيطة، لكنها تكشف شيئًا عن طريقة تفكير الرجل وعلاقته بالمكان الذي خدمه سنوات طويلة.

وهنا لا يعود الحديث عن «العندليب» بوصفه صوتًا فقط.

بل عن شخصية صنعت علاقة مختلفة بين النادي والمدرج.

لقد عرف الاتحاد عبر تاريخه أسماء كثيرة من اللاعبين والإداريين والرؤساء، لكن بعض الشخصيات لا تظهر في الملعب ولا تجلس في دكة البدلاء، ومع ذلك تصبح جزءًا من ذاكرة النادي.

وصالح القرني واحد من هؤلاء.

فاللاعب قد يسجل هدفًا ويبقى في الذاكرة، والمدرب قد يحقق بطولة، والرئيس قد يقود مرحلة، لكن هناك من يصنع شيئًا آخر لا يظهر في سجلات البطولات: يصنع الذاكرة الجماهيرية.

وهذا تحديدًا ما فعله العندليب.

لقد أعطى المدرج الاتحادي صوتًا، وأعطاه ألحانًا، وأعطاه عبارات أصبحت مرتبطة بأجيال من الجماهير.

وعندما أعلن تنحيه عن رئاسة الرابطة، لم يكن المشهد مجرد تغيير إداري؛ كان أقرب إلى نهاية فصل طويل من تاريخ مدرج الاتحاد. ولذلك لم يكن غريبًا أن يُطالب لاحقًا بتكريمه تقديرًا لعطائه الطويل.

وأنا، شخصيًا، لا أرى أن احترام صالح القرني يحتاج إلى أن تكون اتحاديًا.

قد تختلف مع الاتحاد، وقد لا تشجع الاتحاد، وقد تكون منافسًا له في المدرج، لكن احترام التجربة شيء آخر.

فالمسيرة الطويلة تستحق الاحترام، والإخلاص يستحق التقدير، ومن خدم ناديه لعقود يستحق أن يُذكر بما قدمه، بعيدًا عن لون القميص.

صالح القرني هو أحد أولئك الذين تجاوز تأثيرهم حدود النادي إلى المشهد الجماهيري السعودي.

وحين يقول الاتحاديون «العندليب»، فهم لا يستحضرون حنجرة فقط، بل يستحضرون مرحلة كاملة.

مرحلة كان فيها المدرج يغني، والاتحاد يلعب، والجمهور يعيش المباراة قبل صافرة البداية.

وربما كانت أجمل خلاصة يمكن أن تخرج بها من الاستماع إلى صالح القرني اليوم هي أن خلف ذلك الصوت الذي كان يهز المدرجات، إنسانًا عاش تجربته مع الاتحاد بكل تفاصيلها، واحتفظ بذاكرة طويلة لا يستطيع أن يختصرها أرشيف مباراة أو مقطع من المدرج.

العندليب لم يكن مجرد من قاد الهتاف… كان واحدًا ممن صنعوا للاتحاد صوتًا لا يزال يُسمع حتى بعد أن غادر موقعه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى