*بقلم: شاهدٌ على الموسم*
✍🏻 أ. شار ابراهيم آل عمر
وقف القلمُ على عتبات مِنى، فارتجف الحبرُ هيبةً. أيُّ مدادٍ يكفي لوصفِ موسمٍ اختزلَ رؤيةَ وطنٍ في أسبوع؟
في حج 1447هـ، لم يكن القلمُ يكتبُ أرقاماً فحسب: *1,707,301* حاج، من *165 جنسية*، خدمهم *441,049* يداً بيضاء، وسهر عليهم *26,701* متطوع. بل كان يرسمُ ملامحَ دولةٍ قررت أن يكونَ “ضيفُ الرحمن” هو الرقمُ الأول في معادلةِ المجد.
رأى القلمُ “طريقَ مكة” وهو يختصرُ المسافاتِ قبلَ أن تُطوى. *388,694* حاجاً عبروا من مطاراتِ بلدانهم إلى رحابِ البيتِ دونَ أن يذوقوا عناءَ الطوابير. هنا توقفتُ وسألتُ الحبر: أهذهِ تقنيةٌ أم كرامة؟ فأجابتني المنافذُ الجويةُ التي استقبلت *96.1%* من حجاجِ الخارج: هي كرامةٌ لبست ثوبَ التقنية.
مرَّ القلمُ على الجسورِ المُظللة، وعلى الروبوتاتِ التي تُفتي، وعلى الأساورِ الذكيةِ التي تحرسُ النبض. لكنَّه لم يجد للقصيدةِ موضعاً أصدقَ من قصرِ مِنى، حين وقفَ العقيدُ مشعل الحارثي أمامَ “أخو نورة” وقال:
“ترا مرد الدعاوي خير الأوطان.. تكبر وتصغر وأخو نورة معزبها”
هنا أدرك القلمُ أنَّ حج 1447هـ لم يكن موسماً لإدارةِ الحشود، بل درساً في إدارةِ القيم. فالحزمُ في تطبيقِ التعليماتِ لم يكن تشديداً، بل كانَ صوناً للأرواح. والتقنيةُ لم تكن ترفاً، بل كانت ترجمةً لوصيةِ المؤسس: “خدمةُ الحاجِ شرفٌ لا يُدانيه شرف”.
حينَ جفَّ الحبر، بقيَ السؤالُ معلقاً على جبلِ عرفات: كيفَ لدولةٍ أن تُحوِّلَ الركنَ الخامسَ إلى مختبرٍ عالميٍّ للتنظيم، دونَ أن تُفقدَهُ روحانيته؟
الجوابُ كتبهُ الحجاجُ بدموعهم وهم يغادرون: جئنا خائفين من الزحام، فعدنا مُحَمَّلين بالسكينة.
هذا هو حج 1447هـ كما رآهُ قلمُ الكاتب: موسمٌ لم يُقَس بالملايينِ التي حضرت، بل بالقلوبِ التي اطمأنت.




