بقلم : مصهف بن علي عسيري
ليست كرة القدم مجرد تسعين دقيقة تنتهي بصافرة حكم، ولا هي لوحة أرقام تُعلّق على شاشات الملاعب ثم تُطوى مع نهاية المباراة. إنها مدرسة للحياة، تختصر في لحظاتها القصيرة فلسفة الأمم، وتكشف مقدار ما تختزنه الشعوب من وعي، وما تبنيه المؤسسات من عمل، وما تصنعه السنوات من تراكم.
ولذلك فإن مباراة فرنسا والمغرب لم تكن مجرد فوزٍ فرنسي بهدفين دون مقابل، ولم تكن خروجًا مغربيًا من بطولة كأس العالم فحسب، بل كانت درسًا عميقًا لكل من يريد أن يقرأ الرياضة بعين الحكمة، لا بعاطفة المشجع وحدها.
لقد انتصرت فرنسا لأنها جاءت إلى الملعب وهي تحمل إرثًا طويلًا من البناء، ومنظومةً متكاملة تبدأ من أكاديميات الناشئين، وتمر بالتخطيط العلمي، وتنتهي بلاعبٍ يعرف أن القرار الصحيح في جزءٍ من الثانية قد يصنع تاريخ وطنٍ بأكمله. فالمنتخبات الكبرى لا تعيش على الموهبة وحدها، وإنما على مؤسساتٍ تصنع الموهبة، وتحميها، وتطورها، وتجعل النجاح عادةً لا استثناء.
أما المغرب، فقد خسر مباراة، لكنه لم يخسر احترام العالم. خرج من البطولة، لكنه لم يخرج من ذاكرة المتابعين. لأن قيمة المنتخبات لا تُقاس فقط بما تحمله من كؤوس، وإنما بما تتركه من أثر، وما تبعثه من أمل، وما تزرعه في الأجيال من يقين بأن الوصول إلى القمة ليس حكرًا على أحد.
لقد أثبت المنتخب المغربي، مرةً أخرى، أن الكرة العربية لم تعد ضيفًا على البطولات الكبرى، بل أصبحت طرفًا قادرًا على المنافسة، ومتى ما توافرت له الظروف المناسبة، استطاع أن يفرض احترامه أمام أعرق مدارس كرة القدم في العالم. وهذه الحقيقة وحدها تستحق التقدير، لأنها جاءت ثمرة عملٍ وصبرٍ وإيمان بالمشروع، لا وليدة صدفة أو لحظة عابرة.
ومن هنا، فإن المنتخبات العربية مدعوة لأن تنظر إلى هذه المباراة بعين الباحث عن الدرس، لا بعين الباحث عن المبررات. فالفرق بين المنتخبات الكبيرة وغيرها ليس في عدد النجوم، وإنما في جودة المنظومة. فاللاعب الموهوب قد يمنحك مباراة، أما المشروع الرياضي المتكامل فيمنحك أجيالًا متعاقبة من الإنجازات.
إننا بحاجة إلى أن نغادر ثقافة البحث عن “المذنب” بعد كل إخفاق، وأن ننتقل إلى ثقافة البحث عن “السبب”. فالهزائم ليست عيبًا، وإنما العيب أن تتكرر للأسباب نفسها. أما الأمم الرياضية الحية، فإنها تجعل من كل خسارة مختبرًا للمراجعة، ومن كل إخفاق نقطة انطلاق، ومن كل بطولة صفحةً جديدة في كتاب التطوير.
لقد علمتنا فرنسا أن القمة لا تُنال بالرغبة وحدها، بل بالانضباط، والاستمرارية، والإعداد طويل النفس. وعلمنا المغرب أن الشجاعة في المنافسة، والثقة بالنفس، والإيمان بالمشروع، قادرة على أن تجعل منتخبًا عربيًا يقف نِدًّا لعمالقة الكرة العالمية.
ولعل الرسالة الأعمق التي خرجت بها هذه المباراة هي أن المجد لا يولد في ليلة، ولا تصنعه ضربة حظ، ولا يمنحه الإعلام، وإنما يصنعه العمل الصامت الذي لا يراه الناس، والتخطيط الذي يمتد سنوات، والإدارة التي تؤمن بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُبنى.
كل التقدير والاحترام للمنتخب الفرنسي الذي استحق التأهل بما قدمه من أداء منظم وناضج، وكل التقدير والإجلال للمنتخب المغربي الذي غادر البطولة واقفًا، مرفوع الرأس، بعد أن قدم صورة مشرقة لكرة القدم العربية، وأثبت أن الخروج من بطولة قد يكون بدايةً لمرحلة أكثر نضجًا وقوة.
فليست العبرة بمن بقي في البطولة اليوم، وإنما بمن يعود غدًا وهو أكثر علمًا، وأوسع خبرة، وأقرب إلى المجد. فالأمم العظيمة لا تقيس نفسها بنتيجة مباراة، بل بما تتعلمه منها، وما تبنيه بعدها. وهكذا تتحول الهزيمة من نهايةٍ مؤلمة إلى بدايةٍ ملهمة… ومن الخروج إلى المجد.




