المقالات

محطات الحياة

بقلم: عائشة محمد البارقي

في حياتنا محطات كثيرة، لا نسير فيها بخطٍ مستقيم كما نظن، بل ننتقل من مرحلة إلى أخرى وكأننا مسافرون نحمل حقائب من الذكريات والمشاعر والأشخاص. في كل عمر نغادر محطة، ونستقر مؤقتاً في محطة جديدة، نتبدل فيها، نتغير، ونصبح أشخاصاً مختلفين عمّا كنا عليه بالأمس.

الطفولة كانت محطة مليئة بالبراءة، لا نحمل فيها سوى الأحلام الصغيرة والقلوب الخفيفة. ثم جاءت المراهقة كقطار سريع، أخذ منا شيئاً من دهشتنا الأولى ومنحنا الكثير من الأسئلة. وبعدها تبدأ محطات النضج، حيث نتعلم أن بعض الطرق لا تعود، وأن بعض الوجوه خُلقت فقط لتعبر حياتنا ثم ترحل.

الحياة تشبه المطارات كثيراً؛ ضجيج مستمر، وقلوب تنتظر، وحقائب ممتلئة بالحكايات. في كل يوم هناك شخص قادم إلى حياتنا يحمل معه الفرح أو الدرس، وشخص آخر يغادر بصمت تاركاً خلفه فراغاً لا يملؤه أحد. بعضهم يأتي ليبقى سنوات، وبعضهم مجرد عابر يلوّح لنا من نافذة الوداع ثم يختفي.

ومع كل محطة نتعلم أن التعلق الزائد يؤلم، وأن الرحيل جزء من قانون الحياة، مهما حاولنا الهروب منه. فلا أحد يبقى للأبد، حتى نحن لسنا النسخة نفسها التي كناها قبل سنوات. نحن أيضاً نغادر أنفسنا القديمة في كل مرحلة، ونولد من جديد بأفكار مختلفة وقلوب أكثر تعباً أو أكثر حكمة.

وربما جمال الحياة الحقيقي ليس في البقاء، بل في تلك الرحلات القصيرة التي تجمعنا بالبشر، في الأحاديث العابرة، في الضحكات التي تلمع فجأة ثم تصبح ذكرى، وفي الأشخاص الذين يمرّون بمحطاتنا فيتركون أثراً لا يمحوه الزمن.

فنحن في النهاية لسنا سوى مسافرين…
نصل إلى محطات، نلوّح لأشخاص، نحتضن آخرين، ثم نكمل الطريق، حتى نصل إلى آخر محطة كتبها الله لنا منذ البداية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى