المقالات

*أستاذ… أأنت أستاذي؟*

✒️ الكاتب أ. صَالِح الرِّيمِي

قبل أشهر كنت في مدينة صنعاء في صباحٍ عادي، كان الناس يعبرون الشارع مسرعين، كلٌّ منهم غارقٌ في يومه، وعلى الرصيف جلس رجلٌ خلف طاولةٍ صغيرة، عليها بضع أطباقٍ من البيض وكيسٌ من البطاطس، لم يكن يرفع صوته كثيرًا، فقط يقول بهدوء: “بيض طازج… بطاطس” ..

اقتربتُ أكثر، فاستوقفتني ملامحه، شيءٌ فيها بدا مألوفًا، كأنها تحمل وقار رجلٍ اعتاد أن يقف أمام الناس لا خلف طاولة بيع، مرّ شابٌ بالقرب منه، ثم توقف فجأة! وحدّق في وجهه طويلًا، وقال بتردد: “أستاذ… أأنت أستاذي؟”

رفع الرجل رأسه، وابتسم ابتسامة خفيفة تشبه ابتسامات المعلمين حين يكتشفون طالبًا قديمًا.

قال: “نعم يا بني… كنتُ أعلّمكم اللغة”، ارتبك الشاب، وكأن الكلمات خانته، تذكر فجأة ذلك الفصل القديم، والسبورة، والصوت الذي كان يشرح لهم كيف تُبنى الجملة، وكيف تُبنى الحياة، ونظر إلى الطاولة الصغيرة، ثم إلى وجه معلمه، وقال بحزن: “كيف… كيف وصلتَ إلى هنا؟” ابتسم المعلم مرة أخرى، لكن ابتسامته كانت أعمق هذه المرة، وقال:

“يا بني… الحياة دروس أيضًا، وأنا ما زلتُ أتعلّم” ..

صمت الشاب لحظة، ثم اشترى كل ما على الطاولة دون أن يساومه في السعر، وقبل أن يرحل قال له: “أستاذ… أنت لم تعلمنا الحروف فقط، لقد علمتنا الكرامة”، وفي تلك اللحظة أدرك الشاب حقيقةً لم يفهمها من قبل: بعض الرجال يغيرون أماكنهم في الحياة لكنهم لا يفقدون قيمتهم أبدًا.

صحيح أن المعلم كان يبيع البيض والبطاطس في الشارع، لكن لم أرَ بائعًا بسيطًا، بل رأيت فصلًا دراسيًا كاملًا يقف في الشمس، ورأيت سبورة قديمة تمسحها الدموع لا الإسفنج، ذلك الرجل لم يكن بائعًا في الأصل، بل كان حارسًا لأحلام جيل كامل، كان صوته في الفصل كالمصباح يبدد ظلام الجهل، وكانت ابتسامته لتلاميذه وعدًا خفيًا بأن الغد سيكون أجمل ..

ما أقسى أن ترى معلمًا كان بالأمس يزرع في عقول الصغار الحروف الأولى للنور، واليوم يقف على قارعة الطريق يبيع البيض والبطاطس، كأن الأيام نزعت من يده الطباشير وأعطته بدلًا عنها كيسًا يطوف به بين الناس.

*ترويفة:*

تخيلوه لحظة؛ يد المعلم التي كانت تكتب على السبورة: “العلم نور”، أصبحت اليوم تعد البيض حبة حبة، وصوته الذي كان ينادي: “افتحوا كتبكم”، أصبحت تنادي المارة على الطريق: “تفضلوا، بيض طازج، بطاطيس مسلوق، وما بين النداءين عمر كامل من الكرامة المكسورة ..

ذلك المعلم ليس رجلًا واحدًا، إنه صورة لآلاف المعلمين الذين طحنتهم الحرب حتى صاروا غرباء عن مهنتهم، يحملون في صدورهم شهاداتهم كما يحمل الجندي وسامًا قديمًا لا يعترف به أحد.

*ومضة:*

الأوضاع الاقتصادية والمسأوية بعد الحرب اليوم لم تسرق البيوت وحدها، بل سرقت المهن النبيلة أيضًا من أصحابها، وتلقي بهم في طرقات الحياة الموحلة، حيث يقف المعلم الذي علّم الناس الوقوف مرفوع الرأس، ليبيع شيئًا يسد به جوع أطفاله.

*كُن مُتََفائِلاً وَابعَث البِشر فِيمَن حَولَك*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى