حين تراجع الجميع حضرت المملكة: كيف شكّل الدعم السعودي صمام أمان للقطاع الصحي في اليمن
الأوبئة واللقاحات وهجرة الكوادر: تحديات يومية تهدد الأمن الصحي لملايين اليمنيين
السعودية… الداعم الأكثر ثباتًا للقطاع الصحي في اليمن وسط انهيار التمويل الدولي
في ظل واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في اليمن، يواجه القطاع الصحي فيه تحديات متشابكة تتجاوز نقص التمويل إلى هشاشة المنظومة وتفاوت الخدمات بين المناطق، برز الدور الذي لعبته المملكة العربية السعودية بوصفه الأكثر ثباتًا وتأثيرًا في دعم القطاع الصحي اليمني.
الدور السعودي لم يقتصر على الاستجابة الطارئة، بل من خلال تدخلات حافظت على تشغيل مرافق حيوية، ومنعت انهيار خدمات أساسية في لحظات حرجة، وأسست تدريجيًا لمفهوم الاستدامة الصحية.
وفي المقابل، يطرح المشهد تساؤلات جدّية حول فاعلية بعض التدخلات الأخرى التي افتقرت إلى التنسيق المؤسسي، وأثّرت سلبًا على تماسك المنظومة الصحية.
وفي هذا الحوار، يفتح الوكيل المساعد لقطاع السكان بوزارة الصحة العامة والسكان اليمني الدكتور عبدالرقيب الحيدري ملف الواقع الصحي بكل أبعاده، من الأوبئة واللقاحات، إلى هجرة الكوادر، مرورًا بتقييم أدوار الأطراف الإقليمية والدولية، ورؤية الوزارة لمستقبل النظام الصحي وإعادة بنائه بعد سنوات من الحرب والاستنزاف.
كيف تصفون المشهد الصحي في اليمن اليوم في ظل التحديات الإنسانية والاقتصادية؟
المشهد الصحي في اليمن يمرّ بمرحلة بالغة الحساسية، نتيجة تداخل عوامل الحرب، وتراجع الاقتصاد، وانخفاض التمويل، وازدياد الاحتياج الصحي للسكان. ورغم الجهود المبذولة، ما تزال المنظومة الصحية تعمل في بيئة ضاغطة، حيث أصبحت استمرارية الخدمة التحدي الأكبر، لا تطويرها فقط. المؤشرات الأبرز للأزمة تتمثل في هشاشة تشغيل المرافق، واتساع الفجوة التمويلية، وتزايد الاعتماد على الدعم الخارجي للحفاظ على الخدمات الأساسية.
قطاعات متضررة
ما أكثر القطاعات الصحية تضررًا خلال السنوات الماضية؟ وهل هناك مناطق خارج التغطية؟
القطاعات الأكثر تضررًا هي خدمات الطوارئ، العناية المركزة، صحة الأم والطفل، وسلاسل الإمداد الدوائي، كونها الأكثر كلفة والأشد تأثرًا بأي انقطاع تمويلي أو لوجستي. أما من حيث التغطية، فالتحدي لا يكمن فقط في وجود مرافق صحية، بل في قدرتها الفعلية على تقديم خدمة متكاملة وآمنة، خصوصًا في المناطق الريفية والنائية، حيث تعاني المرافق من نقص الكوادر، والوقود، والأدوية، ما يخلق فجوات حقيقية في الوصول للخدمة.
إلى أي مدى أثّر تراجع البنية التحتية ونقص الكوادر على جودة الخدمات؟
الأثر كان مباشرًا وعميقًا على جودة الخدمات الصحية. تراجع البنية التحتية أدى إلى تعطّل أقسام حيوية، وضعف القدرة التشخيصية والعلاجية، فيما أسهم نقص الكوادر المؤهلة في زيادة الضغط على العاملين المتبقين، وانعكس ذلك على مستوى الخدمة، وسلامة المرضى، وسرعة الاستجابة، خصوصًا في الحالات الطارئة والحرجة.
التباعد بين المدن
كيف تتعامل الوزارة مع التفاوت بين المدن والمناطق الريفية والنائية؟
تعتمد الوزارة مبدأ العدالة في الحد الأدنى من الخدمة، من خلال إعطاء الأولوية للخدمات المنقذة للحياة في المناطق الأشد احتياجًا، وتعزيز خدمات الإحالة، ودعم المرافق الطرفية بقدر الإمكان، بالتنسيق مع الشركاء. كما نعمل على توجيه التدخلات بحيث لا يتركز الدعم في المدن فقط، بل يصل إلى المجتمعات الأضعف التي غالبًا ما تكون الأكثر تضررًا.
ما آخر المستجدات بشأن الأوبئة مثل الكوليرا وحمى الضنك وسوء التغذية؟
لا تزال الأوبئة تشكّل تهديدًا قائمًا ومتكررًا، وترتبط حدتها بالموسمية، ومستوى التمويل، وخدمات المياه والإصحاح. ورغم تسجيل تحسّن نسبي في بعض الفترات بفضل جهود الترصد والاستجابة، إلا أن أي تراجع في الدعم أو الجاهزية قد يؤدي إلى انتكاسة سريعة. مواجهة هذه الأوبئة تتطلب استجابة متكاملة لا تقتصر على القطاع الصحي فقط، بل تشمل المياه والبيئة والتغذية، مع استمرار دعم برامج الوقاية والعلاج.
اللقاحات والتطعيم
كيف يتم التعامل مع ملف اللقاحات؟ وهل هناك مخاوف من فجوات تطعيم؟
ملف اللقاحات يُعد من أكثر الملفات حساسية كونه خط الدفاع الأول عن الصحة العامة. الوزارة تعمل على ضمان استمرارية التحصين رغم التحديات المتعلقة بسلسلة التبريد، والوقود، والوصول إلى المناطق النائية. نعم، هناك مخاوف حقيقية من فجوات تطعيم في حال حدوث أي انقطاع تمويلي أو لوجستي، ولذلك نعمل بشكل مكثف مع الشركاء لضمان استقرار الإمداد، مع إعطاء الأولوية للأطفال والفئات الأكثر عرضة للمخاطر.
الدور الإماراتي في زيادة تدهور الوضع الصحي؟
من المهم توضيح أن الإشكالية ليست في مبدأ الدعم، بل في آلية تقديمه، جزء كبير من التدخلات الإماراتية في القطاع الصحي لم يمر عبر وزارة الصحة بوصفها الجهة الفنية المخولة، وإنما عبر جهات محلية موالية لها، ما أدى إلى ضعف التنسيق، وازدواجية التدخلات، وخروج بعض الأنشطة عن الأولويات الوطنية. كما نُسجّل باستغراب الانسحاب المفاجئ للدعم الإنساني من عدد من المرافق الصحية، وهو انسحاب ترك فراغًا كبيرًا أثّر بشكل مباشر على استمرارية الخدمات للمواطنين.
موقف الحكومة اليمنية من الدور الإماراتي وآثاره على القطاع الصحي:
موقف الحكومة واضح وثابت:
– نرحّب بأي دعم صحي يمر عبر الأطر الرسمية ويحترم المرجعية الفنية لوزارة الصحة.
– نرفض تسييس العمل الإنساني أو استخدامه خارج إطار الدولة.
– نؤكد أن أي دعم لا يخضع للتنسيق المؤسسي يضعف النظام الصحي بدلًا من بنائه.
وفي هذا السياق، فإن انسحاب بعض الجهات من التزاماتها الإنسانية يُعد أمرًا مؤسفًا، خاصة عندما يكون المواطن هو المتضرر الأول.
دور المملكة الأكثر ثباتًا
كيف تقيّمون الدور الذي قدمته المملكة العربية السعودية في دعم القطاع الصحي اليمني؟
الدور السعودي يُعد الأكثر ثباتًا ووضوحًا وتأثيرًا في دعم القطاع الصحي اليمني. المملكة لم تتعامل مع الصحة كملف طارئ فقط، بل كمسؤولية إنسانية وأخوية مستمرة. وقد أسهم هذا الدعم في الحفاظ على استمرارية خدمات حيوية ومنع انهيار مرافق صحية في لحظات حرجة، وهو ما انعكس مباشرة على إنقاذ الأرواح وتقليل المعاناة الإنسانية.
ما أبرز المشاريع الصحية التي نفذتها المملكة عبر مركز الملك سلمان أو الجهات السعودية الأخرى؟
نفذت المملكة، عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، سلسلة من التدخلات الصحية شملت:
– دعم وتشغيل مرافق صحية رئيسية في عدد من المحافظات.
– توفير الأدوية والمستلزمات الطبية المنقذة للحياة.
– دعم خدمات الطوارئ والأمومة والطفولة.
– الإسهام في مشاريع ذات طابع تنموي تعزز الجاهزية والاستدامة.
وما يميّز هذا الدور أنه حلّ محل الفراغ الذي خلّفه انسحاب جهات أخرى، واستمر دون انقطاع، وبالتنسيق مع الحكومة اليمنية، بما يخدم المواطن ويحترم السيادة المؤسسية.
إلى أي مدى أسهم الدعم السعودي في استدامة الخدمات الصحية، وليس فقط في الاستجابة الطارئة؟
الدعم السعودي تميّز بأنه لم يقتصر على التدخل الطارئ، بل انتقل تدريجيًا نحو تعزيز استمرارية الخدمات. هذا يتجلى في دعم تشغيل المرافق، وتوفير الإمدادات بشكل منتظم، والمساهمة في تثبيت الخدمات الأساسية، خصوصًا في المرافق التي كانت مهددة بالإغلاق. ما يميّز هذا النهج أنه تعامل مع الصحة كخدمة يجب أن تستمر لا كمجرد استجابة مؤقتة، وهو ما يشكّل أساسًا حقيقيًا لأي استدامة مستقبلية.
هل هناك برامج تدريب وتأهيل للكوادر الطبية اليمنية بدعم سعودي؟ وما أثرها؟
نعم، هناك دعم واضح لبرامج التدريب وبناء القدرات بدعم سعودي، شمل كوادر طبية وفنية في مجالات حيوية. أثر هذه البرامج ظهر في تحسين جودة الأداء، والالتزام بالبروتوكولات، ورفع كفاءة الاستجابة الطبية، خصوصًا في أقسام الطوارئ والأمومة. الاستثمار في الإنسان كان ولا يزال من أنجح أدوات الدعم لأنه يترك أثرًا طويل المدى يتجاوز عمر أي مشروع.
كيف تنظرون إلى التعاون الصحي اليمني – السعودي كشراكة استراتيجية؟
ننظر إلى التعاون الصحي اليمني – السعودي بوصفه شراكة استراتيجية متكاملة، لا علاقة مانح بمستفيد. هذه الشراكة تنطلق من إدراك مشترك بأن استقرار اليمن الصحي هو جزء من الاستقرار الإقليمي، وأن بناء نظام صحي قادر في اليمن يحد من الأزمات العابرة للحدود، ويعزز الأمن الصحي، ويخدم مصالح الشعبين الشقيقين على المدى الطويل.
تحديات القطاع الصحي اليمني
ما أبرز التحديات التي تواجه تمويل القطاع الصحي في اليمن حاليًا؟
أبرز التحديات تتمثل في:
– تراجع التمويل الدولي الإنساني مقارنة بحجم الاحتياج.
– محدودية الموارد العامة للدولة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
– ارتفاع كلفة تشغيل المرافق الصحية، خصوصًا الوقود وسلاسل الإمداد.
هذه التحديات تفرض علينا الانتقال من منطق “سد العجز” إلى منطق إدارة الأولويات وتعظيم أثر كل دولار يُنفق، وهو ما نعمل عليه مع شركائنا، وفي مقدمتهم الأشقاء في المملكة العربية السعودية.
إلى أي مدى تشكّل هجرة الكوادر الطبية تحديًا حقيقيًا؟ وكيف يمكن الحد منها؟
هجرة الكوادر الطبية تُعد من أخطر التحديات الصامتة التي تواجه القطاع الصحي. ففقدان الطبيب أو الممرض لا يعني فقط خسارة فرد، بل خسارة سنوات من التدريب والخبرة. الحد من هذه الظاهرة يتطلب تحسين الاستقرار الوظيفي، وتوفير الحد الأدنى من الدخل والحوافز، وتهيئة بيئة عمل لائقة، إلى جانب برامج تدريب وتطوير مهني تعيد للكادر شعوره بالقيمة والانتماء، وهو مسار لا يمكن فصله عن دعم الشركاء واستدامة التمويل.
ما دور المنظمات الدولية؟ وأين تكمن نقاط القوة والقصور في أدائها داخل اليمن؟
تلعب المنظمات الدولية دورًا مهمًا ومحوريًا في دعم القطاع الصحي، خصوصًا في مجالات التمويل الطارئ، والإمدادات، وبناء القدرات، والترصد الوبائي ومكافحة الأوبئة وتوفير التحصينات. نقاط القوة تتمثل في الخبرة الفنية وسرعة الاستجابة، لكن القصور يظهر أحيانًا في تشتت التدخلات، وضعف المواءمة مع الأولويات الوطنية، وازدواجية المشاريع. لذلك نؤكد دائمًا أن تعظيم الأثر يتطلب قيادة وطنية واضحة، وتنسيقًا مؤسسيًا أقوى، حتى لا تتحول الجهود إلى استجابات مجزأة.
في ظل كل هذه التحديات، كيف ترون مستقبل القطاع الصحي في اليمن خلال السنوات الخمس القادمة؟
مستقبل القطاع الصحي مرهون بثلاثة مسارات محتملة:
– الاستمرار بالحد الأدنى في حال بقاء التمويل محدودًا، مع التركيز على منع الانهيار.
– التعافي التدريجي إذا توفّر دعم مستقر ومنسق.
– إعادة البناء والتحسين في حال الانتقال إلى دعم تنموي مستدام.
نحن نعمل وفق هذه السيناريوهات بواقعية، ونسعى لضمان أن يبقى المواطن اليمني قادرًا على الوصول إلى الخدمات المنقذة للحياة في كل الأحوال.
رؤية استراتيجية
هل لدى الوزارة رؤية استراتيجية لإعادة بناء النظام الصحي بعد الأزمة؟
نعم، لدى الوزارة رؤية واضحة لإعادة بناء النظام الصحي، تقوم على الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء المنظومة، من خلال:
– تعزيز الحوكمة والقيادة الصحية.
– ضمان الخدمات الأساسية بشكل عادل.
– الاستثمار في الكادر والبنية التحتية.
– تطوير نظم المعلومات وسلاسل الإمداد.
– التوجه نحو آليات تمويل مستدامة تقلل الاعتماد على الطوارئ.
هذه الرؤية تستند إلى الواقع اليمني، لا إلى نماذج نظرية، وتقوم على الشراكة مع الأشقاء والشركاء الدوليين.
حدّثنا عن أكثر المشاهد الإنسانية التي تركت أثرًا فيكم خلال عملكم في القطاع الصحي؟
أكثر المشاهد تأثيرًا هي تلك التي يكون فيها إنقاذ المريض ممكنًا طبيًا، لكن تعوقه ظروف تشغيلية كغياب دواء، أو انقطاع وقود، أو تأخر إحالة. هذه اللحظات تختصر جوهر الأزمة، وتذكّرنا بأن التحدي الحقيقي ليس في المعرفة الطبية، بل في استدامة المنظومة التي تحمي حياة الإنسان قبل وصوله إلى مرحلة الخطر.




