المقالات

حين تقف أمام مرآة روحك

✍🏻 أ.مصهف بن علي عسيري

ليس أصعب على الإنسان من أن يعرف نفسه، وليس أيسر عليه من أن يحكم على الآخرين.

فنحن نُجيد قراءة الوجوه، ونكتشف عيوب الآخرين بأبصارٍ حادة، بينما نقف أمام عيوبنا بأعينٍ اعتادت المجاملة. ولعل أعظم رحلةٍ في الحياة ليست تلك التي نقطع فيها آلاف الأميال، بل الرحلة بين صورتنا في أعين الناس وحقيقتنا أمام الله.

فتقييم النفس لا يكون بما نملك، ولا بالمناصب التي بلغناها، ولا بعدد الذين يصفقون لنا؛ فكل ذلك قد يزول. وإنما السؤال الأعمق: من أنت حين تُغلق الأبواب، ويغيب المديح، ولا يبقى معك إلا الله وضميرك؟

هناك مرآةٌ تُظهر ملامح الوجه، وأخرى لا يراها إلا الصادقون، تكشف ملامح الروح. الأولى قد تخدعها الإضاءة، أما الثانية فلا تعرف إلا الحقيقة. وحين يقف الإنسان أمام ضميره، يدرك أن أعظم انتصاراته ليست على الآخرين، بل على هواه وكِبره وغفلته.

فاسأل نفسك كل مساء، لا لتجلدها، بل لتوقظها:

هل كنت اليوم أقرب إلى الله؟

هل تركت في قلب إنسانٍ أثرًا طيبًا أم ألمًا؟

هل صنعت شيئًا يبقى، أم مجرد ضجيجٍ يزول؟

ولو انتهت رحلتي اليوم، فهل أطمئن إلى ما قدّمت؟

فالإنسان العظيم ليس من لا يخطئ، وإنما من لا يسمح لخطئه أن يصبح طبعًا، ولا لغفلته أن تصبح منهجًا. ومن يراجع نفسه كل يوم يبني داخله إنسانًا أفضل، أما من ينشغل بمحاسبة الآخرين فقد يهدم نفسه وهو يظن أنه يُصلح العالم.

ولذلك قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

[الحشر: 18]

إنها دعوة لأن يراجع الإنسان نفسه اليوم قبل أن يقف غدًا بين يدي ربه.

وقال رسول الله ﷺ:

«الكَيِّسُ مَن دانَ نفسَه، وعملَ لما بعدَ الموت، والعاجزُ من أتبعَ نفسَه هواها، وتمنَّى على الله الأماني.»

(رواه الترمذي).

فالعاقل ليس أكثر الناس ذكاءً أو شهرةً، وإنما أكثرهم صدقًا مع نفسه، وجرأةً على الاعتراف بتقصيره، وإصرارًا على إصلاحه.

وإذا أردت أن تعرف قيمتك الحقيقية، فلا تنظر إلى ما تملك، بل إلى ما تمنح؛ ولا إلى عدد من يعرفون اسمك، بل إلى الأثر الذي يبقى منك حين تغيب؛ ولا تقف طويلًا أمام مرآة وجهك، بل قف أمام مرآة ضميرك.

وحين تقف أمام مرآة روحك، لا تبحث عن إنسانٍ كامل، بل عن إنسانٍ إذا أخطأ رجع، وإذا قصّر استغفر، وإذا أحسن شكر، وإذا نجح تواضع، وإذا قَدِر عدل.

فذلك هو النجاح الذي يستحق أن تسعى إليه؛ أن تكون اليوم أفضل من الأمس، وغدًا أفضل من اليوم، وأن تُحسن محاسبة نفسك قبل أن يأتي يومٌ لا يبقى فيه إلا العمل والحساب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى