المحلية

جوالي يئن ويشتكي

بقلم : مصهف بن علي عسيري

يقول … في ليلةٍ هادئة… وبينما كنت أبحث في هاتفي عن صورةٍ قديمة، أو رسالةٍ نسيها الزمن، خُيّل إليّ أن جوالي تنهد طويلًا، ثم قال بصوتٍ خافت:
أما آن لك أن ترحمني؟
يقول … تعجبت… وهل تشتكي الأجهزة؟
لكنني أدركت أن الأشياء، وإن كانت جمادًا، فإن كثرة ما نُلقي عليها من أثقال تجعلها تبدو وكأنها تتألم.
لقد حمّلناه فوق طاقته؛ صورًا لا تُحصى، ومقاطع لا تُشاهَد إلا مرة، وتطبيقاتٍ لا نستخدمها إلا حين نتذكر أنها موجودة، ورسائل قديمة انتهى أصحابها من الحديث، وبقيت هي حبيسة الذاكرة… حتى ضاقت أنفاسه، وامتلأت ذاكرته، وأصبح كلما أردنا منه مهمةً يسيرة، تأخر، وتثاقل، وكأنه يقول لنا: خففوا عني… فقد أثقلتموني بما لا حاجة لي به.
يقول … حينها قفز إلى ذهني سؤالٌ أكبر…
ألسنا نحن أيضًا نشبه هواتفنا؟
كم من إنسانٍ يحمل في داخله ملفاتٍ من الحزن لم يعد لها معنى، ورسائل إساءة لا يزال يحتفظ بها في ذاكرته، وصور مواقف مؤلمة يعيد مشاهدتها كل يوم، وذكرياتٍ تجاوزها الزمن لكنه لم يتجاوزها هو.
ذاكرة الهاتف إذا امتلأت تعطلت بعض وظائفه… وذاكرة الإنسان إذا امتلأت بالهموم تعطلت فيها السعادة.
الهاتف يحتاج بين حين وآخر إلى حذف الملفات غير الضرورية، والإنسان يحتاج إلى حذف الضغائن، ونسيان بعض الخيبات، وإغلاق الصفحات التي انتهى وقتها.
كم هو جميل أن نُنظف هواتفنا، ولكن الأجمل أن ننظف قلوبنا.
لقد أصبح الهاتف مرآةً لعصرنا؛ يحمل صور أفراحنا قبل أن نفرح بها، ويسجل لحظاتنا قبل أن نعيشها، ويعرف مواعيدنا، وأسماء أحبتنا، وأماكننا، وأسرارنا، حتى كاد يكون أقرب إلينا من كثيرٍ من البشر.
ومع ذلك… فإنه يئن.
ليس لأنه ضعيف، ولكن لأننا أردناه أن يحمل كل شيء.
فكيف بقلوبنا، وهي ليست من معدنٍ ولا من دوائر إلكترونية، بل من لحمٍ ومشاعر؟
ربما لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى هاتفٍ أحدث، بقدر ما يحتاج إلى حياةٍ أخف.
وربما لا تكون المشكلة في مساحة التخزين، بل في مساحة التفكير.
فكم من فكرةٍ سلبية احتلت عقولنا كما تحتل الملفات عديمة الفائدة ذاكرة الهاتف.
وكم من كلمةٍ جارحة بقيت محفوظةً في داخلنا سنوات، بينما كان الأولى أن نضغط عليها زر “حذف نهائي”.
إن الحياة لا تثقلنا بالأحداث وحدها، بل بما نصر على الاحتفاظ به منها.
ولو أن الإنسان تعلّم من هاتفه عادةً واحدة، لكانت أن يراجع ذاكرته بين حين وآخر، فيُبقي ما ينفعه، ويحذف ما يرهقه، ويُعيد تشغيل قلبه بالإيمان، وعقله بالأمل، وروحه بالرضا.
وفي نهاية الأمر…
يقول … أغلقت هاتفي بعد أن حذفت منه كثيرًا مما لا أحتاج إليه.
لكنني قبل ذلك، فتحت نافذةً في قلبي، وحذفت منها ما كان أثقل من آلاف الصور، وأبطأ من مئات التطبيقات، وأشد استنزافًا للطاقة من أي برنامج.
فابتسم الهاتف…
وشعرتُ أن الذي عاد خفيفًا… لم يكن هو وحده، بل أنا أيضًا.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى