✍ أ. مصهف بن علي عسيري .
قبل أن تسأل: كيف أبني مستقبلي؟ اسأل نفسك أولًا: كيف أبني نفسي؟ فالمستقبل ليس إلا صورةً مكبَّرة لما تخفيه النفس اليوم.
إن تأسيس الإنسان لا يبدأ بشهادةٍ يحملها، ولا بمنصبٍ يناله، ولا بثروةٍ يجمعها؛ بل يبدأ حين يضع أول حجر في أعماق قلبه، فيبني ضميره قبل صورته، وأخلاقه قبل اسمه، وعقله قبل مكانته. فكل بناءٍ يرتفع من الخارج وهو خاوٍ من الداخل، لا يحتاج إلى عاصفةٍ كي يسقط، بل تكفيه أول لحظة اختبار.
تأسيس النفس رحلةٌ طويلة، لا يراها الناس، لكنها التي يصنع الله بها الإنسان. هي أن تُهذِّب فكرك حتى لا يقودك الهوى، وأن تُدرِّب قلبك حتى لا تهزمه الدنيا، وأن تُربّي لسانك حتى لا يسبق حكمتك، وأن تُعوِّد روحك أن تكون وفيّةً للمبدأ، ولو تغيّرت الوجوه وتبدّلت المصالح.
لا تؤسس نفسك لتكون مشهورًا، بل لتكون مؤثرًا. ولا لتكسب إعجاب الناس، بل لتحظى باحترام نفسك ورضا ربك. فكم من أسماءٍ ملأت الأسماع ثم غابت، وكم من رجالٍ عاشوا في صمت، لكن آثارهم بقيت تنبض في حياة الناس بعد رحيلهم.
واعلم أن القراءة تُنير العقل، والتجارب تُنضج الفكر، والصبر يُقوّي الإرادة، أما الأخلاق فهي الجذور التي تمنح كل ذلك القدرة على البقاء. فإذا اجتمعت المعرفة مع التواضع، والقوة مع الرحمة، والطموح مع القيم، وُلد الإنسان الذي لا تصنعه الظروف، بل يصنع منها طريقًا إلى القمة.
إن أعظم استثمارٍ في الحياة ليس في المال ولا في العقار، وإنما في الإنسان الذي تنظر إليه كل صباح في المرآة. فإن أحسنت بناءه، أحسن بناء كل ما بعده، وإن أهملته، فلن تنفعك كثرة الإنجازات مهما عظمت.
فابدأ بنفسك، ولا تستعجل الثمار. ازرع اليوم فكرةً صالحة، وخُلُقًا كريمًا، وعلمًا نافعًا، وعادةً حسنة، ثم اترك للأيام أن تكشف للناس جمال الشجرة التي غرستها في أعماقك. فالأشجار العظيمة لا تُقاس بسرعة نموها، وإنما بعمق جذورها، وكذلك الإنسان.




