✍🏻 الكاتب / أ. محمد أحمد عسيري
في زمن البحث عن الشهرة وإمكانية صناعة الفيديو القصير بلا رقابة فكرية ، صار من الممكن لشخص لا يقدم فكرة ولا مهارة ولا تجربة أن يصبح معروفًا لدى مئات الآلاف بين عشية وضحاها. السؤال ليس: من هؤلاء؟ بل: كيف وصلنا إلى مرحلة نصنع فيها نجومًا بلا محتوى . وللأسف فمنصات التواصل لم تُصَمم لتقييم “النفع” بل هي مصممة لتقييم “الوقت الذي تقضيه على الشاشة”.
لذلك ينجح من يُغيّر صوته الطبيعي ، أو من يظهر بمظهر غريب أو غير لائق ، أو يثير جدلاً تافهًا، ولا حتى يحتاج أن يقول شيئًا، يكفي أن يمنعك من التمرير للأسفل حيث أصبح صنع الانتباه أقوى من صنع القيمة فتجد صاحب الفكرة ينتظر أشهرًا ليصل إلى ما يصل إليه صاحب الموقف في ليلة واحدة والمشكلة لا تتوقف عند غياب النفع فبعض من تصدر المشهد لا يملك حتى أقل مستوى تعليمي أو معرفي يؤهله لطرح رأي أو فكرة ، والبعض الآخر قد يعاني من اضطرابات نفسية أو سلوكية واضحة، لكنه يجد المنصة مفتوحة دون أي فلترة تسأل عن صحة المتحدث العقلية أو كفاءته العلمية أو مهارته السلوكية ، فهي تقيس التفاعل فقط فيتحول الضعف الشخصي إلى مادة استهلاكية، ويُكافأ السلوك غير المتزن بالانتشار .
والمفارقة المؤلمة أن كثيرًا من المثقفين والأكاديميين صاروا هم أنفسهم “أرقامًا” تُضاف في خانة المتابعين حضورهم الصامت، أو تفاعلهم العابر، يُحسب ضمن التقييم الذي يرفع هذا المتصدر غير الواعي ويمنحه شرعية رقمية وبدل أن يكونوا مركزا للفرز والتصحيح، صاروا جزءًا من آلية التضخيم .
ولهذا يظن الجمهور أن كثرة الأسماء حول الشخص تعني قيمته، بينما هي في الواقع مجرد انعكاس لنظام يعدّ المتابعين ولا يزن العقول
واذا تحدثنا عن ” فراغ المجتمعات” كحكم أخلاقي ، فالمجتمع في الحقيقة ليس فارغا،لكنه قد يبحث عن سد الحاجة النفسية بالترفيه الرقمي ولا شك أن المحتوى الفارغ يملأ هذا الفراغ النفسي بدقة، لأنه لا يطلب منك جهدًا ذهنيًا ولا يحملك مسؤولية رأي والحل ليس في جلد الذات ولا في دعوة لمقاطعة جماعية غير واقعية ولكن علينا أن نميّز بين الترفيه البريء وبين استهلاك الوقت وملء الفراغ بمحتوى أقل مايُقال عنه (سطحي ).
وأخيرا على المثقف والأكاديمي أن يدرك أن متابعته الصامتة تصويت ضمني وأنّ الانسجام مع المشهد السيء أبلغ من المشاركة فيه والمجتمعات التي تريد أن تنتج محتوى يستحق البقاء، عليها أن تمنح الانتباه بوعي، لا أن تتركه للصدفة الرقمية.




