✍🏻 الكاتب أ.أحمد علي الختارشي
كَبُرتُ يا أبي كبرتُ كما كنتَ تقول
وكأن كلماتك كانت ترى ما لا أراه حينما كنت صغيراً وتلمس ما لم أكن أشعر به
كبرتُ يا من كان اسمك يُقال مرتين فكنت تُكنّى ب ” علي مرتين ”
لا لأن الحروف تحتاج تكرارًا بل لأن ماصنعته من مكانة لنفسك ولقبيلتك في نفوس الآخرين وحينما كانت تتأزم المعضلات كنت مرجعاً وعوناً بعد الله في حلّها وعندما كانت العشيره تُباهي بشبّانها كُنْت أنت رِهانها
فكنت تستحق أن تُنادى بهذا الاسم بالقلوب قبل الألسن،
جعلت لاسمك مقامٌ في القبيلة ومكانةٌ في المجتمع وصدىً في داخلي لا يخفت
كَبُرتُ يا أبي ولم أعد أرغب فيما كنت أرغب ولا أشتاق لما كنت ألهث خلفه حتى السهر الذي كنت أعدّه متنفسي في مزاولة لعبتي المفضله كرة القدم صار عبئاً لا ألتفت إليه انشغلتُ يا أبي لكن ليس كما كنت تخاف بل كما كنت تتمنى
انشغلت بمستقبلي وبوظيفتي في التعليم والتي كنت أنت وأمي بعد الله خلف وصولي إلى ماوصلت إليه
انشغلتُ بأبنائي
وصرتُ أراك في ملامحي حين أناديهم وفي قلقي حين يتأخرون وكأن المشهد يتكرر لكن صاحبه هذه المره أنا ولست أنت
صدّقتك يا أبي وإن كنت المصدّق دائماً حينما قلت لي ذات مرّه وبعاميتك الفطريه : “كلامي مابيصيب قلبك لين ياتونك أولاد”ن” .
عرفتُ حينها .. وأكثر مما توقعت
عرفتُ أن حرصك لم يكن قيداً بل جناحاً خفيّاً
وأن خوفك لم يكن تضييقاً لكنه دفئًا يحيطني
وأن قربك لم يكن رقابة بل أماناً لا يُشترى
كَبُرتُ يا أبي نعم كَبُرتُ وصرتُ أحب الهدوء تخيّل !؟
أنا الذي كنت أهرب من الهدوء الذي كان يعم قريتنا البسيطة المتواضعه وأبحث عن الضجيج صرت أحنّ إلى سكونٍ يشبهك
أشتاق لبساطة تلك الأيام التي كنت وللأسف أنفر منها وأحسبها ضيقاً فإذا بها كانت سعة الروح
أتذكّرُ حين كنت مع ماشيتنا !!؟؟
كنت أؤدي الواجب فقط دون أن أفهم المعنى
وفي مزرعتنا التي لم أكن أنتظر الحصاد لأنني لم أكن أدرك قيمة البذرة
واليوم قد فهمت كل شيء
فهمتُ أن التعب الذي كنا نراه عادياً كان في الحقيقة حياة تُبنى، وأياماً تُزرع فينا قبل الأرض
ومع هذا كله…
لم تقف في وجهي وقفة الأب الصارم كما يفعل غيرك رغم أنك لم تلتحق بمدرسة ولم تكتب اسمك بيدك
لكنّك يا أبي كتبتنا نحن
كتبتنا أخلاقاً وصبراً ومبادِئاً وكرامة
أنت وأمي ..
لم تكونا تحملان شهادات لكنكما كنتما أعظم من علّم
لم تكن لديكما وفرة لكنكما كنتما مستعدَّين أن تدفعا كل شيء مقابل راحتنا
فكنتما خير مربّيين وخير من صنعنا أنا وإخوتي
واليوم ..
بعد أن استوعبتُ كل ما قيل لي حتى ما لم أؤمن به حينها
أقف صامتاً أمام سؤالٍ أكبر منّي:
كيف لي أن أردّ جزاءَكما ؟؟
أيُّ وفاءٍ يوازي تعبكما ؟؟
وأيُّ كلماتٍ تكفي لأقول:
شكرررررررررررررررررراً ؟
كَبُرتُ ياعلي مرتين وكَبُرتُ ياسيدة نساء الأرض صالحة ووالله أن لكِ من اسمك نصيب
لكنني كلما كبرت أدركت أنني ما زلت صغيراً أمام ماقدمتما




