✍🏻الكاتبة أ.عائشة محمد البارقي
في زحام الأيام، تمر علينا مواسم كثيرة، لكن تبقى العشر الأوائل من ذي الحجة مختلفة تمامًا… أيام يفيض فيها النور، وتُفتح فيها أبواب الرحمة على اتساعها، وكأن السماء تقترب أكثر من قلوب العباد. إنها الأيام التي أقسم الله بها في كتابه الكريم لعظيم فضلها ومكانتها، فقال سبحانه: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وما أقسم الله بشيء إلا لعظم شأنه.
العشر من ذي الحجة ليست مجرد أيام عابرة في التقويم، بل هي فرصة عظيمة لترميم الروح، وإحياء القلب، والعودة إلى الله بخطوات صادقة. في هذه الأيام تجتمع أعظم العبادات؛ الصلاة، والصيام، والصدقة، وذكر الله، وقراءة القرآن، والدعاء، والحج، حتى تصبح الحياة أكثر طمأنينة، وكأن الإنسان يولد من جديد بقلبٍ أنقى وروحٍ أقرب إلى السماء.
ما أجمل التكبيرات حين تملأ البيوت والطرقات:
“الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد”
تلك الكلمات لا تُقال باللسان فقط، بل تُشعر القلب بعظمة الله، وتُعيد للروح سكينتها المفقودة وسط تعب الدنيا وضجيجها
وفي يوم عرفة، تتجلى الرحمة بأبهى صورها، فهو يوم الدعوات المستجابة، ويوم العتق من النار، يوم يقف فيه الحاج على صعيد عرفات باكيًا راجيًا، بينما ترفع القلوب في كل مكان أكف الدعاء والأمل. إنه يوم يشعر فيه الإنسان أن بينه وبين الله بابًا مفتوحًا لا يُغلق.
ثم يأتي عيد الأضحى، فتتزين الأرواح قبل المدن، وتلتقي القلوب بالمحبة، وتتعالى معاني العطاء والتسامح وصلة الرحم. فالعيد الحقيقي ليس في المظاهر وحدها، بل في قلب امتلأ رضا، ونفس اقتربت من الله أكثر.
العشر من ذي الحجة رسالة ربانية تقول لنا إن الخير ما زال قريبًا، وإن أبواب السماء لا تزال مفتوحة، وإن العمر مهما أثقلته الذنوب يمكن أن يبدأ من جديد بتوبة صادقة وعمل صالح. فطوبى لمن اغتنم هذه الأيام، وملأها بالذكر والطاعة والمحبة، لأن بعض المواسم لا تتكرر إلا مرة في العام، لكنها قد تغيّر الإنسان للأبد.




