المقالات

الإعلام حين يؤدي دوره الحقيقي

———————————
بقلم : مصهف علي عسيري
———————————

 

لم يُخلق الإعلام ليقود العقول، بل ليُنيرها. لم يكن رسوله الأول، بل شاهده الأمين؛ ينقل الصورة كما هي، ويترك للناس حقّ الفهم، وحرية الاختيار. لكن حين يتجاوز الإعلام دوره الطبيعي، ويتحوّل من ناقلٍ للحدث إلى صانعٍ للرأي، تبدأ المسافة بالاتّساع بين الحقيقة وما يُراد لنا أن نراه.

في تلك اللحظة، لا يعود الخبر خبرًا، بل مشهدًا على مسرحٍ مُعدٍّ سلفًا. تُنتقى كلماته بعناية، وتُقصّ زواياه بمهارة، ويُسلَّط الضوء على ما يخدم اتجاهًا، بينما يُترك ما سواه خلف الستار. هنا لا يُسأل: ماذا حدث؟ بل: كيف نريد للناس أن يروا ما حدث؟

الإعلام الذي يصنع الرأي لا يكذب دائمًا، لكنه كثيرًا ما يكتفي بنصف الحقيقة. يضعها أمامنا كمرآة مصقولة من جهة، معتمة من جهة أخرى، فنظن أننا نرى الصورة كاملة، بينما نحن نرى ما أُتيح لنا فقط. وهكذا، يصبح المتلقّي شريكًا في الوهم، يعتقد أنه اختار موقفه بحرية، بينما كان يُقاد إليه بهدوء.

وفي زمن السرعة، تُختصر القضايا الكبرى في عناوين لامعة، وتُختزل الوقائع المعقّدة في ثوانٍ عابرة. يضيع العمق لصالح الإثارة، ويُستبدل التحليل بالصوت المرتفع، ويُقاس التأثير بعدد المشاهدات لا بصدق الرسالة. في هذا المناخ، لا يُبنى الوعي… بل يُعاد إنتاجه بنسخ متشابهة.

الخطر الحقيقي ليس في إعلامٍ يخطئ، بل في إعلامٍ يظن نفسه وصيًّا على العقول. فحين يُصادر حقّ الناس في التفكير، ويقدّم لهم الرأي جاهزًا، يتحوّل من أداة وعي إلى سلطة خفيّة؛ لا تُحاسَب، لكنها تُشكّل القناعات، وتعيد ترتيب الأولويات، وتحرّك المشاعر أكثر مما تخاطب العقول.

ومع ذلك، يبقى الأمل في وعي المتلقّي. فالإعلام، مهما بلغت قوته، يعجز عن صناعة رأي مستقر داخل عقلٍ ناقد. الوعي الحقيقي لا يُلقَّن، بل يُبنى؛ بالسؤال، والشكّ النبيل، والتفكير الهادئ، والقدرة على رؤية ما وراء المشهد.

وحين يتجاوز الإعلام دوره، يصبح التمهّل فعل مقاومة، ويغدو الصمت أحيانًا أصدق من الضجيج. فليس كل ما يُقال يُصدَّق، وليس كل ما يُعرض يُفهم. وبين إعلامٍ يصنع الرأي، وعقلٍ يحسن التفكير… يُحدَّد مصير الوعي في هذا الزمن .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى