مع حلول فصل الشتاء، يتجدد حضور صناعة السمن البلدي في منطقة الحدود الشمالية، بوصفها إحدى الحرف الغذائية التقليدية التي ارتبطت بالبيئة الرعوية وحياة السكان، وحافظت النساء على مهارات إنتاجها عبر الأجيال، لتظل مصدرًا من مصادر الغذاء المحلي، وحرفة تستثمرها بعض الأسر المنتجة في توفير دخل إضافي.
وتعود هذه الحرفة إلى ارتباط سكان المنطقة بتربية المواشي، إذ استفادت الأسر قديمًا من حليب الأغنام ومشتقاته، وعملت النساء على تحويل فائضه إلى منتجات غذائية قابلة للحفظ والاستخدام لفترات طويلة، مما يعكس خبرة المجتمع المحلي في استثمار موارده الطبيعية وتلبية احتياجاته الغذائية.
وتنشط صناعة السمن البلدي خلال المواسم التي يتوافر فيها الحليب، ولا سيما مع تحسن المراعي عقب هطول الأمطار، فيما يزداد استهلاكه خلال فصل الشتاء، لارتباطه بإعداد الأكلات الشعبية التي تشتهر بها المنطقة، وإسهامه في إكسابها نكهتها التقليدية التي ارتبطت بذاكرة الأجيال.
وتمر صناعة السمن البلدي بمراحل متتابعة، تبدأ بجمع الحليب الطازج وتحويله إلى لبن رائب، ثم خضّه لاستخلاص الزبدة باستخدام أدوات تقليدية عُرفت في البيئة المحلية قبل جمعها وتسخينها على نار هادئة حتى تنفصل الدهون عن بقايا اللبن، ثم تصفيتها للحصول على السمن الصافي ذي اللون الذهبي والرائحة المميزة.
وتتطلب هذه المراحل مهارة وخبرة في ضبط عملية الخضّ ودرجة التسخين، إذ تؤثر جودة الحليب وطريقة الإعداد في خصائص المنتج النهائي، فيما لا تزال بعض الأسر تحتفظ بأساليب متوارثة في التصنيع والحفظ، اكتسبتها النساء عبر سنوات طويلة من الممارسة.
ولم تقتصر أهمية السمن البلدي على كونه أحد مكونات الغذاء اليومي، بل ارتبط بعادات الضيافة والمناسبات الاجتماعية، إذ يدخل في إعداد عدد من الأطباق الشعبية، ويشكل جزءًا من الهوية الغذائية للمنطقة، وشاهدًا على أنماط المعيشة التي اعتمدت على الإنتاج المحلي والاستفادة من منتجات الثروة الحيوانية.
ومع استمرار حضور هذه الحرفة، اتجهت بعض الأسر المنتجة إلى إعداد السمن البلدي وتسويقه بوصفه منتجًا غذائيًا محليًا، مما يتيح الاستفادة من المهارات التقليدية في توفير مصادر دخل إضافية، ويمنح هذه الصناعة بُعدًا اقتصاديًا إلى جانب قيمتها التراثية والاجتماعية.
وتواصل صناعة السمن البلدي حضورها في منطقة الحدود الشمالية بوصفها إحدى الحرف التي حافظت المرأة على مهارات إعدادها ونقلتها بين الأجيال، جامعةً بين قيمتها الغذائية وموروثها الاجتماعي ودورها في دعم نشاط الأسر المنتجة.
0 2 دقيقة واحدة




