المقالات

عبدالله البارقي.. فنان هادئ ترك للوحاته مهمة أن تتحدث

✍🏻 صالح جراد الشهري

في المشهد التشكيلي السعودي أسماء كثيرة مرت عبر المعارض والفعاليات، لكن القليل منها استطاع أن يجعل الفن جزءًا من ذاكرة المكان، وأن يحول اللوحة من مساحة للألوان إلى وثيقة بصرية تحفظ ملامح المجتمع وتفاصيل حياته.

ومن بين هذه الأسماء يبرز الفنان التشكيلي عبدالله البارقي، الذي تبدو شخصيته الهادئة مختلفة تمامًا عن الجرأة التي تظهر في أعماله، وكأن الفنان الذي يجلس بهدوء بين الناس ليس هو نفسه الذي يقف أمام اللوحة ويمنح اللون مساحة واسعة للتعبير.

هذه المفارقة هي أول ما يلفت في تجربته.

فعبدالله البارقي لم يتعامل مع الفن بوصفه هواية عابرة أو حضورًا موسميًا في المعارض، وإنما خاض تجربة طويلة من الممارسة والإنتاج والتجريب، تنقل خلالها بين مدارس فنية مختلفة، وراكم رصيدًا يقدّر بنحو 1200 عمل فني منذ بداياته، إلى جانب إنتاج سنوي يتجاوز في بعض مراحله 70 لوحة، وأكثر من 80 اسكتشًا صالحًا للعرض.

لكن قيمة الفنان لا تختصرها الأرقام.القيمة الحقيقية في ما تركه من أثر.

عسير في ذاكرة اللون

ربما تكون أبرز ملامح تجربة البارقي هي علاقته بالمكان.

فقد امتدت أعماله الجدارية إلى شوارع أبها وعدد من المدن والمواقع المحيطة بها، لتتحول الجدران إلى مساحات تحكي جانبًا من تاريخ المجتمع العسيري، وتستعيد تفاصيل الحياة بين الماضي والحاضر.

في جدارياته حضرت البيئة الجبلية بتفاصيلها، وظهرت البيوت الجبلية المزخرفة، والقط العسيري، وأنماط الحياة الاجتماعية التي شكلت ذاكرة أجيال مضت.

لم يكن الأمر مجرد رسم لمظاهر تراثية.

كان محاولة لتقديم الإنسان العسيري وبيئته في صورة بصرية تستطيع الأجيال الجديدة قراءتها، ويستطيع الزائر من خارج المنطقة أن يتعرف من خلالها على جزء من شخصية المكان. وهنا تتحول اللوحة إلى أكثر من عمل فني؛ تتحول إلى وثيقة ثقافية.

فحين يرسم الفنان تفاصيل الحياة القديمة، فإنه لا يستعيد الماضي لمجرد الحنين، وإنما يمنحه فرصة للبقاء في الذاكرة.

من أبها إلى العالم

لم تتوقف تجربة عبدالله البارقي عند حدود المنطقة.

فقد شارك في معارض وفعاليات فنية محلية ودولية، وامتد حضوره إلى دبي ومصر والمغرب، كما شارك في تمثيل المملكة في محافل خارجية في ألمانيا وبريطانيا، وحظيت أعماله بالاقتناء محليًا من جهات حكومية وشخصيات كبيرة.

وأقام معرضين شخصيين، كما شارك في سبعة معارض ثنائية مع الفنان التشكيلي صديق كشاف، إلى جانب مشاركات جماعية متعددة، من بينها معرض «نبض 7» الذي أقيم بمناسبة اليوم الوطني الـ91 في محافظة جدة.

وحصل خلال مسيرته على جائزة أبها، إضافة إلى عدد من الجوائز والدروع وشهادات التقدير من جهات مختلفة.

هذه المسيرة تؤكد أن تجربة البارقي لم تكن محلية في أثرها، حتى وإن كان المكان المحلي هو نقطة انطلاقها الأساسية.

فالفنان الذي يحمل تفاصيل بيئته إلى الخارج، لا يشارك بعمل فني فقط؛ بل يحمل معه جزءًا من هوية المكان.

الهدوء الذي خلفه صخب اللون

ربما لا يشبه عبدالله البارقي الصورة النمطية التي قد يتخيلها البعض عن الفنان صاحب الأعمال الجريئة.

هو رجل هادئ، متزن، قليل الادعاء. لكن أعماله تقول شيئًا آخر. في لوحاته مساحة من الجرأة، وفي جدارياته حضور قوي، وفي اختياراته البصرية قدرة على الإمساك بالتفاصيل وتحويلها إلى مشهد أكبر من حدود اللوحة.

وكأن البارقي اختار أن يترك للفن ما لا يقوله بالكلام.

وهذا تحديدًا ما يجعل تجربته جديرة بالقراءة بعيدًا عن قائمة المشاركات والجوائز؛ لأن أهم ما فيها هو ذلك الارتباط بين الفنان وبيئته، وبين العمل الفني والذاكرة الجمعية.

تكريم لا ينبغي أن يتأخر

بعد هذه المسيرة الطويلة، يبدو من المشروع أن يُطرح سؤال مختلف: هل حصل عبدالله البارقي على التكريم الذي يوازي ما قدمه؟

فالمبدعون لا يحتاجون إلى التكريم لأنهم يبحثون عن الأضواء، وإنما لأن تكريمهم يمثل اعترافًا بقيمة الثقافة والفن، وبالسنوات التي قضوها في خدمة المجال الذي اختاروه.

ومن هنا، فإن الدعوة ليست إلى تكريم عابر ينتهي بصورة وشهادة، وإنما إلى تكريم يليق بمكانة التجربة؛ يشارك فيه المجتمع الثقافي في عسير، والمؤسسات المعنية بالفنون والثقافة، وأهالي محافظة بارق، التي ينتمي إليها هذا الفنان ويحمل اسمها معه أينما ذهب.

إن إطلاق مبادرة ثقافية تحمل اسمه، أو إقامة معرض يستعرض مسيرته، أو إصدار كتاب يوثق أعماله وتجربته، أو تنظيم ملتقى فني يحتفي بعطائه، كلها أفكار يمكن أن تحول التكريم من مناسبة إلى ذاكرة مستدامة.

فعبدالله البارقي لم يقدم لوحة واحدة، ولا معرضًا واحدًا، ولا مشاركة عابرة.

لقد قدم مسيرة مختلفة . وترك على جدران عسير حكايات من المكان، ونقل جزءًا من ذاكرتها إلى لوحاته، وحمل فنه إلى خارج حدودها، وشارك باسم المملكة في محافل دولية، وراكم تجربة تستحق أن تُقرأ وتوثق وتُحفظ للأجيال. ولذلك فإن تكريمه اليوم ليس مجاملة لفنان، بل وفاء لجزء من الذاكرة الفنية لعسير.

إن مجتمع عسير، وأهالي محافظة بارق، أمام فرصة جميلة ليقولوا لهذا الرجل:

لقد رأينا ما قدمت… ولم ننسه.

فالفنان الذي أمضى عمره يرسم ذاكرة المكان، يستحق أن يكون له مكان محفوظ في ذاكرة المكان نفسه.

عبدالله البارقي يستحق التكريم… لا لأن مسيرته انتهت، بل لأن ما قدمه طوال هذه المسيرة يستحق أن يُحتفى به وهو بين أهله ومحبيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى